-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

سورية: الفلسطينيون موقف اللا موقف

سهيل الخالدي
  • 3522
  • 0
سورية: الفلسطينيون موقف اللا موقف

من المعروف أن القيادات الفلسطينية على اختلاف فصائلها وأفكارها مراحلها السياسية وتوزعها الجغرافي، ظلت طوال العقود تعيش في عنق الزجاجة متنقلة من مأزق إلى مأزق، وظلت القضية منذ مئة عام أكبر من السياسيين الفلسطينيين أنفسهم، وهذا بحد ذاته مأزق من المآزق التي تعرفها قضية العرب المركزية منذ قرن.

أما الأزمة الدائرة رحاها في سورية منذ 2011، فتضعهم في مأزق يختلف عما جربوه وخبروه.. فهم اعتادوا على الخروج النسبي من المآزق التي يواجهونها وهم في عنق الزجاجة الذي لم يخرجوا منه بعد، بالديبلوماسية حينا، بالايديولوجية تارة، بالإعلام طورا، وبالمال مرات، وبالسلام مرارا، وتحت الطاولة حينا.

وحتى يتضح المقال نورد هذا المثال في السبعينيات كان الفلسطينيون يعون إلى قرار من القمة العربية التي عقدت في الجزائر “1973” يقضي بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد، و”عصلج” حسين ملك الأردن، وكاد الرئيس الجزائري هواري بومدين الواقف مع فلسطين ظالمة ومظلومة أن يغضب.. لكنه اقترح أن يبت في مؤتمر الدار البيضاء 1974 والحسن الثاني ملك المغرب لا يخرج عن رغبة ابن عمه الهاشمي الحسين بن طلال، وكلاهما تحت عباءة الغرب من واشنطن حتى باريس.

لكن الرجل الثاني في المنظمة صلاح خلف “أبو إياد” أدار الموضوع تحت الطاولة، فكون خلية فدائيين لاغتيال الملك حسين في الدار البيضاء، ودربها تدريبا عاليا جدا.. وما أن صار المؤتمر على وشك الانعقاد ولم تعد هناك أية إمكانية لتأجيله حتى وزع أبو إياد أفراد تلك الخلية بأسلحتهم على عدة دول أوروبية والمغرب، وفي التوقيت المناسب أبلغ الدول الأوروبية بأن لديه معلومات عن فلسطينيين مغامرين يخططون لاغتيال ملك الأردن، ثم أبلغ الملك الحسن الثاني ببعض ما لديه من معلومات، فاتصل الحسن بتلك الدول فأيدت ما لديه من معلومات، وأبلغته أنها اعتقلت بعضهم وهم في طريقهم إلى داره ومؤتمره الذي بدأ ضيوفه يفدون، ومنهم ابن عمه الحسين، الذي نصح بأن لا يعترض على القرار حتى لا يعرّض أولئك “المغامرون” حياته وحياة ملوك غيره للخطر.. وهكذا خرجت منظمة التحرير ظافرة من مأزق التثميل الذي كان الأردن بدعم الغرب وبعض العرب يستحوذ عليه أو يكاد.. وبالتأكيد أن القيادة الفلسطينية في ذلك الوقت، لم تكن تخرج من مآزقها لولا استنادها في كل مرة على دعم شعبي عربي واسع بل لا حدود له.

أما اليوم فمأزقها في سورية مختلف حتى في نوعية، فالقيادة في رام الله ليست على وفاق بشار الأسد ونظامه، بل إنه لم يعترف بها مع بداية أزمة مع شعبه في مارس الماضي، وأما حركة حماس المهيمنة على غزة، فوجدت نفسها كأنها ستخسر دول الخليج العربي وأحوالها مقابل إيران وسورية ودعمها اللفظي والتعبوي في جوهره، فغادر أبو الوليد “خالد مشعل” دمشق التي كان مقره الرئيس وحاول القيام بوساطة عبر الجامعة العربي بين النظام ومعارضيه، بينما راح إسماعيل هنية من موقعه في غزة يعلن تأييده للشعب السوري، ولم يذكر النظام من قريب أو البعيد.

أما قيادة رام الله، فلم تظهر مواقف علنية يمكن أن تؤخذ على محمل الجد، وهو أمر مفهوم، فليس لها وهي التي تعيش على أموال الدعم الأوروبي والخليجي، بل أن مفاتيح القضية تكاد تكون برمتها بيد الأمريكان، الذين ينادون صباحا ومساء بضرورة تنحي الأسد، فاغتصاب الأمريكان له ثمنه الباهظ.

أما الفصائل الفلسطينية المتواحدة في دمشق ويبلغ عددها عشرة، فقد أدخلها جمهورها الفلسطيني في مأزق، فقد اتفقت هذه الفصائل مع النظام بعد اندلاع الأزمة أن ترسل عددا من المدنيين العزل إلى حدود المناطق المحتلة من الجولان.

فأصلتهم إسرائيل نارا حامية وسقط الشهداء، وعند دفنهم في مقبرة الشهداء بمخيم اليرموك، رشق الشبان الفلسطينيون قيادات الفصائل الموجودين في المقبرة بسيل من الحجارة، وأصابوا قائد الجبهة الشعبية أبو ماهر الذي أغلق مكتبه في حي التضامن، والذي كنت أمر من أمامه يوميا حتى تاريخ مغادرتي دمشق ولم يفتح، وربما نقل إلى مكان آخر بتلك المكاتب السرية جدا التي تشغلها الفصائل بعيدا عن العيون.

أما الجبهة الشعبية.. القيادة العامة الأكثر التصاقا بالنظام، فقد هاجم أولئك الشبان في يوم الدفن مقرها المسمى “الخالصة”، وبدأوا بإحراقه ولم ينسحبوا إلا بعد أن قتلوا أحد مساعدي أحمد جبريل أمين عام الجبهة.

واضطرب المخيم، وبدأت الوجوه والأعيان بإمساك العصا من المنتصف بين النظام والشباب، ولكن بدون جدوى، فقد فتحت العائلات في شارع فلسطين وسند واليرموك والثلاين وغيرها للعاذلات المهاجرة من باقي أنحاء سورية من حمص وحلب وآولب وحتى من ضواحي دمشق.

وهنا اقترف النظام والمعارضة كل على طريقة أخطاء شنيعة، إذ لم يكف النظام عن قصف المخيم، بل أنزل دبابته إلى شوارعه وأطلق رجال أمنه وشبيحته، وطلب من قادة جيش التحرير الفلسسطيني دخول المعركة إلى جانبه، فرفضوا فتم اغتيال معظمهم وسط المخيم.. ولم يستطع أحد اتهام النظام، لأن المعارضة قالت في نفس الوقت أنها تعتبر الفلسطين دخلاء، بل أنهم احتلوا سبعمائة ألف وظيفة هي من حق السوريين، وزادت تصريحات برهان غليون المائعة حول القضية الفلسطينية، وتصريحات عبد الحليم خدام حول الصلح مع اسرائيل أوضاع المعارضة سوءا عند الفلسطينيين، الذين أخذوا يشعرون بأن رأسهم هو المطلوب من الطرفين، ففي النهاية سيقدم الأسد التنازلات للدول الكبرى وعلى رأسها التنازل عن الموضوع الفلسطيني، وسيضر بذلك المعارضة التي قدمت تنازلاتها سلفا، وتنازل سورية نظاما ومعارضة عن القضية الفلسطينية يعني الكثير، ويختلف عن تنازل العراق.. ففي سورية أكثر من مليوني لاجئ فلسطيني يعيشون في مخيمات تمتد من إدلب في الشمال حتى درعا في الجنوب، وهم يطالبون بحق العودة إلى أراضيهم الفلسطينية، وعقدوا لذلك مؤتمرا دوليا كبيرا حضرته شخصيات حزبية جزائرية من عدة أحزاب، على رأسها عبد العزيز بلخادم، ويتوقع بعض شباب المخيم أن يلجأ الحاكم القادم في سورية سواء كان من المعارضة أو استمرارا للنظام، فإنه سير سليم إلى المنافي العديدة، كالبرازيل أو ما هو أبعد، كما فعل المالكي بالفلسطينيين في العراق، وبالتالي فإن حق العودة يستبعد حلمه كثيرا جدا.

وهكذا فإن حكمة الشعوب هي التي تحركت في ذات الفلسطين قوميا وبراغماتيا، فانظموا إلى الشعب السوري الذي لا قيادة له.. وشكلوا مليشيات صغيرة تحاول منع العارضة ومنع جيش النظام من الدخول إلى أزقة المخيم، وكأن حربا أخرى بدزت شرارتها داخل هذه الحرب بين النظام ومعارضيه.. وقد تجري في المخيم مجزرة أكثر دموية من مجازر إيلول سبتمبر 1970، التي جرت في الأردن، ويذكرها جبلي كنقطة سوداء في تاريخ هذه الأمة، والتي كان من تداعياتها وصول عائلة الأسد الى الحكم في سوريا.

والمثير في الوضع الفلسطيني في سورية الذي يتزايد سوءا ساعة بعد ساعة، أنه لم تظهر مواقف علنية ومشهودة لفصائل كان تستعمل شباب المخيمات وقودا لطروحاتها، فبدت حركة فتح التي يتزعمها “أبو موسى”، وحركة الجهاد الاسلامي التي يتزعمها “شلّح” وغيرها كأنها من حكايات الجدات التي لا وجود لها على أرض الواقع.

أما المثقفون الفلسطينيون الذين ارتبطوا بالنظام من جهة وبالصندوق القومي الفلسطيني، من أمثال حمزة برقاوي وخالد أبو خالد وغيرها من مناوئي محمود عباس، فلم يعودوا يتواجدون حتى في مقرهم في ساحة الشهبندر، فقد راح ذلك الزمان الذي كان فيه المثقفون الفلسطينيون على اختلاف ايديولوجياتهم من ادوارد سعيد ومحمود درويش ويوسف الخطيب وناجي علوش، يصنعون تماسك العقل الفلسطيني وقت المآزق، فقد أضاع المثقفون الفلسطينيون في سورية عقلهم وفقدوا شعبهم.. فقد اتخذوا من اللا موقف موقفا، وكما يقول المثل الجزائري، “من أجل كروشهم أخلوا عروشهم”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!