سورية: عشاء دولي بارد في بيت القياصرة
كان العشاء الرسمي الذي أقامه الرئيس الروسي بوتين لقادة العشرين دولة الأغنى والأقوى في العالم في سان بترسبورغ، العاصمة القديمة لقياصرة روسا، وكأنه طبخ من ثلوج سيبيريا أو ألاسكا، التي باعها القياصرة ذات يوم لواشنطن.. فقبل قهوة الصباح التالي، كان أوباما، الحائز على جائزة نوبل للسلام، يسمع وصف الروس له بأنه رجل حرب بل رجل كذاب.
جاء أوباما مجندا بتفويض بضرب سورية، منح له من طرف لجنة من لجان الكونغرس، وذلك في سعيه للحصول على غطاء قانوني وأخلاقي للضربة المقررة باسمه- وليس بقراره- لسورية. لكن المفاجأة الروسية جعلت الخطط الأمريكية كلها من أحاديث الماضي.. وقد تمثلت هذه المفاجأة في كشف روسيا للصاروخين الذين أطلقتهما إسرائيل في المتوسط، بقصد جر الأرمادا الأمريكية في المتوسط لإطلاق صواريخها على سورية وإشعال المنطقة.. غير أن الروس تصرفوا بسرعة فائقة لم تكن تتوقعها إسرائيل لأنها كانت قد أطلقت قبل ذلك بأيام عدة صواريخ، ولم يتحدث عنها أحد من الروس أو السوريين.. لكن موسكو أثبتت أن كل منطقة الشرق الأوسط برا وبحرا تحجب عينيها وبالتالي فهي على أهبة الاستعداد للتدخل بوضوح، ليس لحماية بشار الأسد، فهو آخر من يعنيها، بل لحماية مصالحها ليس في سورية وحسب، بل في المنطقة كلها بما فيها إيران.. وهكذا لم تجد أمريكا حفاظا على ماء الوجه إلا العودة إلى الحرب الباردة، فموسكو تحاصرها في مجلس الأمن، كما إن الحجج التي أوردتها أمريكا لضرب دمشق لم تكن كافية لإقناع الدول الأوروبية، خاصة بعد أن ابتعد البرلمانيون البريطانيون ببلادهم عن الموقف الأمريكي، أما شعوب العالم فكلها تجمع على عدم المساندة، وأما دول الخليج التي تساند الضربة، قولا وفعلا، فإن أموالها لم تفلح في شراء موقف من وزراء الخارجية العربية، فأحالت الجامعة العربية الملف مجددا إلى الأمم المتحدة التي لا تستطيع اتخاذ قرار لصالح واشنطن بسبب الموقف الروسي والصيني. ومع أن مراد مدلسي، وزير الخارجية الجزائري، كما قال زملاء صحفيون في مقر الجامعة، لم يكن موافقا على قرار الإحالة لمجلس الأمن باعتباره قرارا يدعو إلى التدخل الأجنبي، لكن الجزائر، حسب ما قاله الزملاء، كانت وراء عدم الموافقة على القرار الذي أرادته دول الخليج العربي. وهكذا ذهب أوباما إلى بترسبورج وهو يحمل أملا ضعيفا جدا في النجاح في تغيير الموقف الروسي حتى إنه لم يكن واثقا من أنه سيجتمع منفردا ببوتين.
وبوتين هنا، رجل المخابرات السوفيتية القوي، يحمل في أعطافه التوق إلى مجد السوفييت والقياصرة معا وطموحاتهم الأمبراطوية في الشرق الأوسط. وهاهو يعيش الفرصة الذهبية، فقد نجحت موسكو منذ عهدة بوتين الأولى في أن تلغي الأحادية القطبية وأن ترخي من القبضة الأمريكية على العالم، فخرجت من أفغانستان ومن العراق، ولم تجرؤ على اقتحام باكستان.. وكل ذلك بمقايضات سرية جدا بين موسكو وواشنطن. وقد كانت سورية، ولاختزال الملعب واللعبة التي تعود بها واشنطن لطي العالم كله تحت إبطها… لكن استمرار المظاهرات في مصر بعد الإطاحة بمرسي أفسد جانبا من الملعب وجانبا من اللعبة، ثم جاءت حماقة إسرائيل التي كشفتها رادارات موسكو لتفسد جزءا آخر من الملعب.. فلم تعد الأرض السورية صالحة لعودة أمريكا، سواء بجنودها أم بمرتزقة الجيش الحر الذي لم يعد بإمكان قيادتهم العسكرية والسياسية من الغليون حتى الجربا القول بأنهم ليسوا عملاء الخارج وإنهم استقووا على وطنهم وحاكمه الظالم بالخارج، فلا فرق بينه وبينه فإذا كان يستقوي على وطنه وشعبه بالروس والإيرانيين فهم يستقوون بالأمريكان.
ومع ذلك فإن الضربة الأمريكية وإن ابتعدت نسبيا ما دامت المواعيد وساعة الصفر ليست طابو مقدسا ويمكن تأجيلها وتعديلها، فإن مبدأ الضربة- بطريقة ما- لا زال قائما ومن الممكن أن يأتي الفرج الأمريكي على يد الروسي نفسه. فماذا لو قرر بوتين الاستغناء عن بشار والإتيان بجنرال ما من جنرالات الجيش السوري- ومعظمهم من خريجي موسكو- أكثر ولاء لموسكو من بشار؟ لا شك أن ذلك بقدر ما هو سهل ومفيد للكرملين.. فإنه سيصعب الأمور أمام البيت الأبيض، فلماذا لا يستبق الأمريكيون الأمور كلها ويضربون ضربتهم، سواء مع إسرائيل أم بيدها… إن الباب ما زال مفتوحا ما لم تغلقه موسكو جديا بتصعيد الحرب الباردة التي أعلنت عن نفسها في ذلك العشاء السيبيري في بترسبورج. ذلك أن حماقات بشار على مدى أكثر من عقد من زمان جولة الأرض السورية إلى لعبة وملعب وصار موقعها الجيو- سياسي عليها بعد أن كان لها في عهد والده الذي لم يكن أقل ظلما أو أقل كراهية عند السوريين..