سورية وحرب العائلات العربية الحاكمة
حين يتحدث المرء عن موقف العرب من الأزمة السورية التي بدأت في مارس 2011، لا يستطيع إلا أن يفصل بين موقف الأمة، أي الشعوب العربية، سواء في المشرق أو المغرب، وبين مواقف الدول العربية، ويجد المحلل نفسه وهو يتحدث عن الدول العربية، أمام مجموعة من المواقف، تحتاج بدورها إلى تفصيلات كثيرة، وهي تفصيلات لا يستوعبها مقال في جريدة، لأن القارىء سيجد نفسه في متاهة تصعب متابعتها، لكنني تسهيلا على قارئ الشروق، سأبدأ بدول الخليج العربي، مرحبا الحديث عن موقف ما سمي بدول الربيع العربي ومواقف الدول العربية أخرى.
معروف أن دول الخليج العربي وقفت على الفور وبشكل مفاجئ ضد نظام بشار الأسد، وأيدت المعارضة تأييدا لم يقف عند حدود مدها بالمال.. وكانت هذه الدول متفاوتة الحماسة، إذ تقف قطر على رأس المتحمسين من دول الخليج، وربما تكون سلطنة عمان هي الأقل حماسة بالخصوص، عبر وسائلها الإعلامية الرسمية.
والسؤال هنا هو: لماذا انقلبت هذه الدول ضد نظام عائلة الأسد في سورية؟ فإذا كانت المعارضة الخارجية والدول التي تدعمها تأخذ على هذا النظام أنه عائلي، وأنه أول من أوجد نظام “الجملوكية”، مما شجع كلا من نظام حسني مباشرك في مصر وصالح في اليمن على البدء بإجراء التوريث، والدخول في “الجملوكية”، ودول الخليج هي أنظمة عائلية ملكية وراثية، مما يعني أنها وقفت ضد عائلة الأسد لسبب غير هذا السبب!
وإذا كانت تأخذ على النظام أنه غير ديموقراطي، كما تقول دول العرب الأوروبية والأمريكية، ومعها المعارضة في الداخل والخارج، فمنذ متى كانت أنظمة الخليج العربي وعلى رأسها السعودية تعرف الديمقراطية؟ فإذا كانت الكويت مثلا تملك برلمانا منتخبا، فهو برلمان كاركيكاتيري، وينقسم منذ أن تم إقراره في ستينات القرن الماضي إلى نواب مواقف يقودهم أحد مؤسسي حركة القومية العرب الطبيب أحمد الخطيب، والي نواب خدمات يقومون بالوساطات والرشوات بين المواطنين وكبار رجال الدولة، ورغم هذه الكاريكاتيرية البرلمانية فإنه حل مرارا وتكرارا بسبب الخلاف بين نواب المواقف والحكومة الذين كانوا يستجوبون الوزراء، فتلجأ الحكومة إما إلى إقالمة الوزير إذا كان من خارج العائلة الحاكمة أو إلى إقالة الحكومة برمتها، وفي معظم الأحيان يلجأ الأمر إلى حل البرلمان.
وبالرغم من أن بعض القوميين العرب وبعض الليبراليين وحتى بعض الإسلاميين كانوا- وربما لايزالون – لكن هذه التجربة “الديموقراطية” لم تصل ولم تخرج مترا واحدا خارج حدودها، مثلها مثل “الديمقراطية اللبنانية” رغم زعيمها الإعلامي العالي جدا، لم تصل إلى الجار السوري، فكيف يتحدث حكام الخليج الذين يقفون سدا منيعا حتى ضد الديموقراطية البدوية التقليدية، عن دكتاتورية وعدم ديموقراطية نظام عائلة الأسد، لابد أن هناك سببا غير هذا.
وإذا كان حكام دول الخيج يتحدثون عن فساد عائلة الأسد ونظامها، فمن هي العائلة الخليجية الحاكمة التي لم تعلن الفساد وتنشره، ليس في الوطن العربي فحسب، بل في دول العالم بأسره، سواء كان فسادا سياسيا كتمويل حملات أحزاب في أوروبا وأمريكا.. بل في إسرائيل نفسها، أو كان فسادا أخلاقيا وتجاريا عن صفقات الأسلحة إلى تجارة النفط والخيول، بل إن هذه العائلات هي شريكة عائلة الأسد وخاصة رامي مخلوف وقبله رفعت الأسد في كثير من الشركات والمؤسسات التجارية ليس في سورية، بل في العالم وتحت كثير من المسميات.
وإذا كان السبب يتعلق بتحالف سورية مع النظام الشيعي في إيران، فقد كان نظام عائلة الأسد حليفا لإيران منذ الإطاحة بالشاه، لكنه لم يكن ذلك، وعند المواجهة ضد صدام حسين في العراق كانت تمول حربه دول الخليج، وفي نفس الوقت تقدم الدعم الكبير لنظام حافظ أسد، طلب وزير الخارجية صباح الأحمد (الأمير اليوم) عقد جلسة سرية حول الموضوع، أشبع النواب خلالها توبيخا على هذه الجرأة، ثم وقفت الأطراف الثلاثة إيران ودول الخليج العربي، ونظام الأسد، مع دول العام وساهمت في احتلال العراق، وشنق صدام حسين.
إذن ما الأسباب الحقيقية التي تجعل دول الخليج “تستغني” عن نظام لا يختلف في جوهرة عن نظامها، بل هو شديد التنسيق معها، ويعتمد عليها في كثير من سياساته الاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية؟
يكمن السبب في أن نظام عائلة الأسد وضمن سياسته في استثمار موقع سورية الجيو سياسي.. وجد أن الثقافة القومية للشعب السوري أقوى مما يعتقد، ورغم كل ما اتخذ من إجراءات لتحويلها إلى ثقافة “البزنس” وصولا إلى “الدعارة” المنظمة بين سورية والخليج، حيث يعيش معظم “الفنانات”، “الفنانين” السوريات والسوريين في دولة الإمارات العربية، يديرون شركات فنية وغير فنية، وينتجون أعمالا تلفزيونية مختلفة غير تلك المسلسلات الدرامية، ويزودون بها حتى تلك القنوات التي صار النظام يعتبرها معادية، وتبذل قنواته الرسمية وغير الرسمية جهودا مضنية للرد على “أكاذيبها” في هذه الحرب الضروس.
وهنا في جزئية “الثقافة” نجد النظام ودول الخليج حليفين في هذه الحرب، فإذا كان نظام الأسد سعى “لإضعاف” الثقافة القومية تدريجيا عند الشعب السوري، فإن الدول الخليجية سعت إلى “اقتلاع” الثقافة القومية عند العرب أجمعين في الخليج وغير الخليج، بل سعت إدارة الشارقة على وجه الخصوص ولازالت تسعى لأن تكون مركزا ثقافيا في الوطن العربي، وهو أمر يحب،ذ بل يبعث على الاحترام لولا أنه وجه لاقتلاع الثقافة اليومية العربية، وإحلال ثقافة “الهشك بشك” كما يقول الإخوة المصريون، وقد جرت إلى هذا المنهج العديد من الإعلاميين والمثقفين العرب من سورية وغير سورية، فهو منهج يعتمد على المال. والإعلاميون والمثقفون العرب يعيشون حياة فقر مزرية، ولا يجدون مؤسسات إعلامية قادرة على الدفع سوى هذه المؤسسات الخليجية في الإمارات وقطر والسعودية والكويت، وهنا لابدمن القول إن بعض الإعلاميين والمثقفين العرب انسحبوا من هذه المؤسسات حين اكتشفوا استراتيجيتها، وقد وجد نظام عائلة الأسد نفسه في ورطة إعلامية كبيرة، فهذه الحرب يديرها الإعلام، وهو يريد أن يستقطب الجمهور العربي ومشاعره القومية، فوجد نفسه مضطرا لاستفادة ثقافة قومية كان يحاربها إلى ما قبل 2011.. ولم يجد من يسنده سوى القنوات الإيرانية، بما فيها قناة المنار التي لاي مكن أن تدعي أنها مهتمة بالفكر القومي العربي، فما كان منها إلا أن أكدت في نظرالمشاهدين على طائفية العائلة ونظامها، وهو ما لا يريده الأسد في هذه المرحلة بالذات على الأقل.
قد يقول قائل إن دول الخليج العربي مضطرة للوقوف ضد نظام الأسد سياسيا وإعلاميا وثقافيا واقتصاديا لكسر هذا الهلال الشيعي الذي تشكل حولها من إيران حتى لبنان.
ونحن نقول إن الخطر الإيراني على الخليج لم يبدأ بقيام نظام الملالي في طهران 1979، بل هو قائم منذ أيام الشاه، الذي كان “سنيا” يحكم شعبا شيعيا، أي كان في ذات الموقف الذي فيه عائلة الأسد اليوم نظام أقلية تحكم أغلبية، وكان لا يخفي أطماعه القومية في الجغرافية العربية في العراق والبحرين والإمارات وحتى السعودية، وكان المثقفون القوميون العرب من مصريين وفلسطينيين وسوريين وعراقيين ولبنانيين، وحتى من المغرب العربي، يحذرون دول الخليج العربي من أطماع الشاه في أراضيهم.. لكن هذه الدول وخاصة منها الكويت، كانت تتهم هؤلاء بالشيوعية، وتسعى لعدم دخول الأيدي العربية العاملة إلى أراضيها، وتشجع الأيدي العاملة الإيرانية، بل إنها راحت تمكن لعائلات من أصول إيرانية متحالفة مع الشاه ضد العائلات العربية الخليجية. فعائلات البهبهاني، الفارسي، الدسسنتي، فبازدر وغيرها تمكنت في المجتمع الخليجي ماليا وسياسيا بدعم واسع من العائلات الخليجية السنية الحاكمة، وحين انهار حكم الشاه، قلبت هذه العائلات ولاءها إلى نظام الخميني، الذي أعلن جهارا نهارا أن أطماع إيران الجغرافية بالأرض العربية هي أطماع قومية، تستند إلى مبرر ديني شيعي، وها هي دول الخليج تعاني من الموضوعية موضوع الأطماع القومية وموضوع الأطماع الدينية.. وهذا كله نتيجة معاداتها القومية للفكر القومي العربي بكل مفرداته بما فيها مفردة انتقال الأيدي العاملة العربية.
وهنا ترتسم أمامنا صورة النظام الخليجي العربي، فهو نظام عائلي غير قومي وغير إسلامي وغير ديموقراطي وغير رزين، فاسد ومفسد، وهي ذاتها صورة نظام عائلة الأسد في سورية، فلماذا هذه الحرب؟ لماذا هذا الموقف الخليجي المعادي لنفسه في سورية؟
الأمر لدى المواطن العربي بسيط وواضح، وهذه البساطة وهذا الوضوح جعلا المواطن يتفوق في تحليلاته وفهمه للقضايا الاستراتيجية على المثقفين والإعلاميين الذي يتلاعبون بعقله.
إن نظام العائلات في الوطن العربي يحارب بعضه بعضا اليوم، في تنافس بينها على موقع العمالة للعدو، فعائلات الخليج تريد أن تحسن مواقعها عند اسرائيل والدول الكبرى، وكذلك عائلة الأسد تريد أن تحسن موقعها عند اسرائيل والدول الكبرى، وبلغة ثقافة المواطن، فإن هذه الحرب الدائرة في سورية هي حرب العملاء، أو حرب الأربعين حراميا، وفي لغة التراث فهي الكفر يحارب بعضه، لا دخل للعرب والمسلمين فيها لا من بعيد ولا من قريب. وقد يقول قارىء: لماذا لم تقل إنها حرب البسوس؟
وهنا أجدني أوافق على هكذا سؤال، بل لعله يفيدنا في التحليل السياسي التاريخي، فحرب البسوس قامت بين أطراف قبيلة بكر ووائل، وهي القبيلة التي تسمى الان “عنزة” والتي ينتمي إليها معظم العائلات الحاكمة في الخليج العربي، وقد دارت معظم معارك هذه الحرب في منطقة حمص وحما،ة أين ظهر العرب بجبالهم لأول مرة في التاريخ 2500 ق.م.. وهي الأرض التي تدور عليها معظم المعارك في سورية اليوم؟
فهل تحمل هذه الحرب التي يطلق عليها البعض حروب “الربيع العربي” بداية لميلاد عربي جديد؟ بعد أن تبيد هذه العائلات بعضها بعضا، وتكون الكلمة فيها للشعب العربي، أم إنها ستنتهي إلى ما انتهت إليه حرب البسوس، حينما منع جساس أخواله التغلبين من ركوب الخيل وإشعال النار في بيوتهم، فعاشوا على الصدقات من جيرانهم، فأوجد بذلك ظاهرة “الغجر” في التاريخ العربي، والذين يسميهم الشوام “النّوّر” بفتح النون المشددة والواو… والذين تقول البعض أنهم الآن يملأون ساحة بور سعيد وغيرها من ساحات العاصمة ويطلبون الصدقات كما أنتجت هذه حرب البسوس الجديدة؟
لكن السؤال الكاريكاتيري هو:
– من الذي يقوم بدور كليب بن وائل؟ هل هو ملك السعودية أم أمير قطر؟
– من الذين يقوم بدور جساس بن مره؟ هل هو بشار الأسد أم حسن نصر الله؟
– ومن الذي يقوم بدور الزير سالم.. هل هو برهان غليون؟
رحم الله صديقي الشاعر ممدوح عدوان ابن حمص الذي كتب مسلسلا تلفزيونيا عن حرب البسوس، وتوفي وهو يعد لكتابة مسلسل عن تغريبة بني هلال وحروبهم في المغرب العربي.
وحتى لا نظلم عنوان هذا المقال، وحتى لا يعتقد القارئ أن هذه الحروب العربية العائلية هي فقط بين العائلات الخليجية والعائلة العلوية الأسدية في سورية، نذكره بأن تحت السطح حروبا لا هوادة فيها بين هذه العائلات، بعضها بعضا من جهة، وبين أجنحتها من جهة أخرى.
فهناك حرب بين آل سعود وآل نهيان في الإمارات حول واحة البريمي، وهناك حرب بين عائلة القواسم في الشارقة وعائلة نهيان في أبو ظبي، وحرب بين آل ثاني في قطر وآل خليفة في البحرين حول جزيرة دخان، وحرب بين طرفي أبناء عبد العزيز آل سعود الذين أخوالهم من آل السديري ضد الذين من أخوال غير سديرين، وحرب أخرى بين الأمراء الأكثر تفتحا الذين كان يطردهم طلال بن عبد العزيز “الأمير الأحمر” وابنه الوليد بن طلال، ضد الأبناء الآخرين وعلى رأسهم الآن الملك عبد الله. وحرب بين جناح السالم في عائلة الصباح وجناح الجابر الذي منه الأمير الحالي صباح الأحمد جابر الصلاح.
وأما عائلة الأسد في سورية، فليس سرا أن هناك حربا معلنة بين بشار الأسد وعمه رفعت الموجود في أوروبا، وهي الحرب الذي بدأت بين الأخوين حافظ ورفعت في ثمانينات القرن الماضي، وهي تشبه ـ وإن كان المشكل غير عسكري ـ الحرب القائمة في العائلة الهاشمية في الأردن، بين الملك عبد الله بن الحسين بن طلال وعمه الحسن بن طلال.
وكل هذه العائلات الحاكمة في الوطن العربي نصبتها دول استعمارية على رقاب الشعب، ولم ينتخبها أحد، وهي تتنافس في خدمة الاستعمار، وتخوض حروبا ضد بعضها، وقودها شباب الأمة وقضاياها ومصالحها ومستقبلها.. وهذا بحد ذاته يطرح سؤالا هاما هو: لماذا يركز الغرب الاستعماري في حروبه على الأمة العربية دون أمم العالم ويدعم أكثر العائلات فيها فسادا ويشعل الحروب بين هاته العائلات!!؟
إنه سؤال لابد من الإجابة عنه!