سياستان
في نهاية التسعينيات من القرن الماضي عُقد في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية ملتقى دولي نظّمته مؤسسة الملك فيصل رحمه الله، وذلك بمناسبة مرور عشرين سنة على تأسيسها.
دُعي إلى هذا الملتقى من الجزائر كلٌّ من الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، والأستاذ محمد العربي دماغ العتروس، والأستاذ عبد العزيز بلخادم، والأستاذ عبد الوهّاب حمّودة، وكاتبُ هذه السطور. وقد غاب عن هذا الملتقى الشيخ عبد الرحمان شيبان، وأخوه سعيد شيبان، والدكتور عبد الرزاق قسّوم لوجودهم خارج الجزائر.
لم يُطلب من المدعوّين إلقاءُ محاضرات أو كلمات إلا الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، الذي أشهدُ أن الإخوة في المؤسسة عاملوه معاملة متميزة رغم أنه لم يكن يشغل آنذاك أيَّ منصبٍ سياسي.
اقتُرح على الدكتور أن يعالج في محاضرته سياستَيْ الرئيس هواري بومدين والملك فيصل، رحمهما الله، وقد ارتجل الدكتور طالب محاضرته، رغم أنه كان قد أملاها عليّ في الجناح الذي خُصِّص له، وكان موفقا كل التوفيق في محاضرته مبنى ومعنى، وكان موضوعيًّا في رأيه في سياستَيْ القائدين الكبيرين، فلم يحمدهما بما لم يفعلا، ولم يبخسهما أشياءهما، فكانت محلّ تقدير وإعجاب من الحاضرين، خاصة في موقفهما الرّجولي والشجاع في حرب أكتوبر 1973، وسياستهما في ميدان النفط، وقد تكون هذه السياسة هي التي كانت السبب الرئيس في القضاء على الرجلين.
ومما قاله الدكتور أحمد طالب أنّ الملك فيصل قال له في أحد لقاءاتهما: يا أخ أحمد، إنّني أرى سياسة الأخ الرئيس بومدين تجنحُ كثيرا إلى الاتحاد السوفياتي، فردّ عليه الدكتور قائلا: إنّ الأخ بومدين أيضا يرى أنّ سياسة جلالتكم تميل كلّ الميل إلى الولايات المتحدة الأمريكية رغم انحيازها غير المحدود إلى عدوّنا المشترك وهو إسرائيل. ولم يذكر الدكتور أنّ الملك علّق أو عقّب على مقاله.
إن الشواهد على موقفي الرجلين من الدولتين تدلّ على أنّ موقف الرئيس هواري بومدين أكثر معقولية وواقعية من موقف الملك فيصل، وآخر شاهدٍ على ذلك هو ما يجري حاليا في منطقة الخليج العربي، الذي أعطى حكامُه الولاياتِ المتحدة الأمريكية من الأموال ما لم يعطوه لشعوبهم أو لإخوانهم العرب والمسلمين، ولكنهم لم ينالوا منها إلا الإهانات والاستخفاف، وأراضيهم كلها مملوءة بالقواعد العسكرية الأمريكية التي لم تُطلق رصاصة واحدة دفاعا عن هذه البلدان الخليجية، بل الذي رآه العالمُ كلُّه أنّ هذه البلدان هي التي تدافع عن هذه القواعد الأمريكية، التي أكلت لحم الخليجيين، ودقّت عظمهم، وامتصّت رحيقهم.
لا نجادل في أنّ سياستي القوّتين العظميين نحونا نحن العرب، وخاصة نحو قضية قضايانا – فلسطين – تشوبهما شوائب، ولكنّ بعض الشرّ أهون من بعض، وسياسة أمريكا نحونا أكثرُ صهيونية من الصهاينة أنفسهم، وهذا ما يراه حتى الأعمى، ويعقله حتى المجنون.
كلمة نقولها لإخواننا في الخليج: عودوا إلى مثَل أجدادكم القائل:
ما حكّ جلدَك سوى ظُفرك فتولَّ أنت جميع أمرك.