-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“سيمفونية” الموت!

محمد حمادي
  • 3599
  • 5
“سيمفونية” الموت!

المآسي التي يصنعها الجزائريون يوميا في البحر، أثبتنا من خلالها للعالم كم نحن بارعون في عزف “سيمفونية” الموت بدل الحياة، وكيف أصبحنا ننشد نغمة الحزن واليأس والإحباط لحنا، ونشدو ترانيم البؤس والشقاء على وقع أصعب نوتات الألم، حتى أصبحت النفس الجزائرية رخيصة، تتلقفها شباك الصيادين لتصطاد الحالمين بالضفة الأخرى، بدل الأسماك!

الإحصائيات المفزعة التي قدمتها الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان بخصوص الهجرة السرّية، حملت رقما قياسيا قوامه 3100 مغامرة بحرية نحو الضفة الأخرى، قادها شبان ونساء وأطفال في 2017، فضلا عن المئات من المفقودين والمحتجزين في مراكز تجميع المهاجرين السريين، في وضعية أقل ما يقال عنها إنها غير إنسانية، ليكتبوا فصولا مريرة من رواية اسمها الهروب نحو المجهول، كانوا هم أبطالها دون منازع.

 ما معنى أن تودّع تلميذة مقاعد الدراسة وتلتحق بشقيقتها لتغامرا معا عبر قارب الموت، لترجع إلى ذويها جثة هامدة؟ أإلى هذه الدرجة بلغ اليأس مبلغا لدى الجزائريين، حتى وصل الأمر بربّ عائلة إلى أن يركب البحر رفقة أفراد عائلته؟ ما ذنب الطفلة “حليمة” التي قذفتها أمواج البحر إلى وجهة مجهولة؟ من نلوم، عائلتها، أم المجتمع، أم المسؤولين الذين عجزوا عن تأمين منصب عمل قارّ لوالدها؟

الحقيقة هي أنّ الجثث التي يلفظها البحر كل مرّة حفرت أخاديد من الحزن والأسى في أفئدة أمهات وآباء، ظنّوا أن ركوب أبنائهم قوارب الموت لبلوغ الضفة الأخرى هو الحل الوحيد للخلاص من حياة البؤس والشقاء التي التصقت بيومياتهم وأبت أن تفارقها. لكن هيهات! انتحرت الأحلام الوردية على أمواج البحر العاتية التي باتت تصنع المأساة تلو الأخرى، ومع ذلك لا يزال الحالمون بالجنة الموعودة أوروبا يقدمون أرواحهم قربانا لهذه الأوهام.

التسابق المحموم على قوارب الموت لم يحدث حتى في عزّ الأزمة الأمنية التي عرفتها البلاد في العشرية السوداء؛ فلم يترك الجزائريون بلدهم ولم يغامروا بحياتهم في عرض البحر بالرّغم من المحنة التي ألمّت بهم؛ فصبروا وصابروا لأن التطلع إلى مستقبل أفضل، كانت كفته غالبة في ميزان الحياة المضرج بالدم والدمار.

المأساة كبيرة إذن، والمصيبة أعظم تستدعي استنفار جميع مكونات المجتمع لإطلاق حملات توعوية جادة للتصدي لظاهرة قوارب الموت، التي دمّرت المنظومة الفكرية لكثير من الجزائريين المحبطين جراء حياة الفاقة والغبن التي يكابدونها، حتى أصبحت الحياة عندهم في المنزلة ذاتها مع الموت.

إذا كان وزير الشؤون الدينية، محمّد عيسى، قد أيّد إفتاء المجلس الإسلامي الأعلى، بحرمة الهجرة السرية، وكشف عن تفعيل صندوق الزكاة لمساعدة الشباب على إطلاق مشاريع مصغرة، حماية لهم من وهم “الحرقة”؛ فإنّ باقي الوزارات والهيئات معنية هي الأخرى، بالانخراط في هذه العملية لزرع الأمل لدى هؤلاء اليائسين بتحسّن الأوضاع، في بلد ينام على ثروات طبيعية وبشرية لم تستغل أحسن استغلال.

وباختصار، فإنّنا نجني أشواك خطاب اليأس الذي زرعناه بين مكونات المجتمع، ونحصد ثمار استقالة الجميع من أداء أدوراهم الحضارية والتربوية، نحن ندفع ثمن سوء التسيير الذي أفشل مشاريع عملاقة كان بإمكانها أن توظف آلاف البطالين، وترفع عنهم الغبن، إلى درجة أن أطفالا في عمر الزهور باتوا ينشدون ترانيم الموت بالرغم من تمسكهم بالحياة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
5
  • بدون اسم

    هؤلاء المتزاحمين حول الموت ربما يجدون الأموال في الشوارع يلتقطونها دون تعب...؟؟؟ هكذا صوروا لهم جنة أوروبا الموعودة أن الواحد يعيش دون عمل؟؟؟ أو تعب؟؟؟ يعتقدون أن أوروبا وجدت هكذا؟؟؟ دون أن يبذل أهلها و صناعها أدنى جهد؟؟؟ هكذا نزلت من السماء مهيأة كأنها جنة؟؟؟ هكذا يعتقد سذاج الخلق الحالمون بالرفاهية و السعادة بالنوم؟؟؟

  • صالح بوقدير

    الهارب يغامر
    يانصيرة الفار من السجن يبتكر التفلت فهل تريدين بناء جدارعازل على طول الساحل لاأظن ذلك في مقدور الجزائر ولوأرادت
    كان الأجدر أن يفتح نقاش مجتمعي يعالج الأسباب ولا يكتفي بمعالجة النتائج فاللإنسان يصبوا إلى الحرية قبل الرفاه واسمعي ماحكاه الشاعر:
    قد كان عندي بلبل في قفص منذهب
    ففر مني ونأى بدون أدنى سبب
    وقال لي حريتي لاتشترى بالذهب

  • بدون اسم

    السلام عليكم
    شكرا ..
    ... اللغز المحير هو من تسبب أو دفع هؤلاء الى
    التفكير في ترك الوطن والهروب إلى الوجهة الأخرى ؟
    .. من الواقع
    المهندس ،أو الطبيب ، الطالب الجامعي ووو .... الخ
    لما يكمل الدراسة ويقصد أي مؤسسة لتوظيف
    يلقاه الحارس في الباب ويغلق في وجهه كل الأبواب -بداية اليأس-
    ومن فتح الله عليه بمنصب يقول له المدير عندك الشاف أنتاعك تبع تعليماته أي
    - ضع شهادتك العليا في الدرج - خليه يمشيك كيما يبغي ؟
    ربما هاد المسؤول طالع بالأقدمية لا يملك شهادة - يخليه يندم لي-قرا !؟؟؟
    والقائمة مفتوحة
    وشكرا

  • نصيرة/بومرداس

    السؤال المطروح اين هو دور حراس السواحل كيف يصل الحراقين الى عرض البحر دون ان يراهم احد؟

  • Nabil

    باختصار المفيد .ارفع راسك يا با و ارمي روحك في البحر