سُكوت..أطفال الجزائر يحلُمون؟!
أن تعجز عن الحلم أو ألا تقدر على الحياة وأنت راغب فيها، هو الموت بعينه للأحياء، الذين يكابدون شتى صنوف التهميش والحرمان، وما أكثرهم في وطننا، الذي تحوّلت فيه للأسف، حقوق الفرد في عيش كريم؛ من سكن وعمل وخدمات طبية راقية… مثل سائر مواطني الأمم المتشبعة بالقيم الحضارية والإنسانية، ضربا من الخيال ومجرد أحلام تطاردهم آناء الليل وأطراف النهار.
عندما يحلم طفل جزائري بسكن لائق يحفظ كرامته هو وعائلته وحاسوب يبحر عبره في العالم الافتراضي، ويرحل عن الدنيا من دون أن تتحقق هذه الأمنية، وعندما يمني طفلان توأم النفس بالتمتع بزرقة البحر مثل أقرانهما، ويتأخر تحقيق الرجاء إلى 2017، فإنّنا أمام أحلام بسيطة هي في الأصل حقوق باتت مستحيلة، في بلد حطّم أرقاما قياسية في حالات الانتحار الناجمة عن القنوط واليأس ووأد الأحلام، حتى وصل الأمر بأولياء في مستغانم مؤخرا إلى تشجيع أطفالهم على الهجرة السرية عبر قوارب الموت عبر تأمين مصاريف هذه المغامرة البحرية، غير آبهين بالمصير الذي ينتظر فلذات أكبادهم، هل سيصلون إلى ضفة الأخرى، حيث الجنة الموعودة؟ أم سيلفظهم البحر جثثا هامدة ليكونوا لقمة سائغة للحيتان؟. ولكن بالرغم من كل هذه المخاطر تبنى هؤلاء المغامرون الصغار شعار من سبقوهم في رحلات التيه “ياكلني الحوت وما يكلنيش الدود”.
هؤلاء جزائريون يعيشون حياة ضنكا، دفعوا بأبنائهم ليمتطوا قوارب الموت، ويشقوا بأحلامهم الوردية عباب البحر علّها تجد طريقها إلى التجسيد في بلدان تقدر الإنسان !. الموت أو الحياة لدى هؤلاء الذين عضّت عليهم الدنيا بأنيابها أضحى سيان، بعدما انتحرت أمانيهم على أسوار مسؤولين فاشلين عجزوا عن إدارة شؤونهم وضيّعوا مستقبل أبنائهم. لكن ما ذا لو حدث هذا الأمر في بلد متقدّم يحترم صناع القرار فيه حقوق الإنسان؟ أكيد كانوا سيقيمون الدنيا ولا يقعدونها ويستنفرون كل أجهزة الدولة ليبحثوا عن أسباب هذه المأساة أو تلك، خاصة إذا كان صنّاعها أو ضحاياها هم من البراءة الذين لا حول لهم ولا قوّة.
العشرات من الأطفال الذين اختطفهم الموت في عمر الزهور في بلادنا، رحلوا إلى دار الفناء وفي فؤادهم أمانِ بسيطة لم تتحقق، ولعلّ المأساة التي اهتزت لها بلدية بئر مراد رايس في العاصمة، قبل أيام، أبرز دليل على البراءة التي وئدت أحلامها؛ فالطفل عبد الدايم علاء الدين، البالغ من العمر 10 سنوات، الذي هلك إثر انهيار جدار لمّا كان رفقة أقرانه بصدد اللعب مع كباش في ذلك المكان المشؤوم، ترك ذكرى أليمة في قلب والده الذي انفجر بكاء وهو يتحدث عن أمنية فلذة كبده التي لم تتحقق: “ابني كان يحلم بسكن لائق يلم شملنا.. كان يريد حاسوبا وغرفة خاصة به ينام فيها لوحده”.
إذن رحل عبد الدايم إلى دار القرار؛ وهو الذي كان يريد أن يبحر في العالم الافتراضي، ويتمتع بسكن لائق يتوفر على شروط الحياة الكريمة، رحل وترك الكل غاضبا وحزينا على طفولة فقدت البوصلة في بلد تحوّل إلى مقبرة للأحلام!