شباب الفايسبوك يكسرون الحصار على القنوات بالبث المباشر للمسيرات
استطاع الشباب الجزائري أن يبهر العالم خلال مسيرات التغيير التي تشهدها البلاد منذ تاريخ 22 فيفري الماضي، فبهواتف ذكية في اليد وإرادة عالية وعزيمة فولاذية قاموا بنقل صور حقيقية ومقاطع فيديو مباشرة على صفحات “الفايسبوك” من قلب المظاهرات، متحدين بذلك الحصار المفروض على وسائل الإعلام المحلية لتصبح فيما بعد منشوراتهم مرجعا داخل وخارج الوطن.
عوضت الهواتف الذكية القنوات الفضائية وأجهزة التلفزيون خلال المظاهرات المطالبة بالتغيير، فبفضل هذه التقنية العصرية والصغيرة التي لا يتجاوز حجمها كف اليد، تمكن الشباب الجزائري الواعي من إيصال صدى الحراك الشعبي ونقل أجمل صوره داخل الوطن وخارجه، محافظين بذلك على سلميته من خلال النصائح والتعليمات المتداولة بكثرة لتوجيه مسارهم، وبذلك نجحوا في جعل العالم بأسره يتابع بصورة مباشرة أولا بأول كل ما يحدث على موقع التواصل الاجتماعي “الفايسبوك” ويشاركوه مع أصدقائهم ومعارفهم.
“الفايسبوك” ساحة التحرير التي احتضنتهم قبل الشارع
وكان موقع “الفايسبوك” هو ساحة التحرير التي احتضنت الشباب بأفكارهم وآرائهم وشعاراتهم المختلفة والراغبة في إحداث تغيير وبعث جزائر حرة مستقلة جديدة، فعبر مختلف الصفحات، تداول الفايسبوكيون منشورات تدعو للخروج في المظاهرات بعد صلاة الجمعة والتجمع في ساحة البريد المركزي مع الحفاظ على الطابع السلمي، قائلين: “لا تقطعوا شجرا.. لا ترفعوا حجرا.. لا تكسروا زجاجا.. فكل الأملاك للشعب”، وهذا بغية زرع حس المسؤولية في نفوسهم وتفادي تشويه الطرقات والشوارع. وشدد الناشطون على ضرورة تنظيف الشوارع وجمع المخلفات بعد الانتهاء من المظاهرات، وأدى الاعتماد على الصافرات للانسحاب في تمام الخامسة والنصف والعودة للمنازل لتفادي حدوث كوارث بعد تداول تحذيرات من التظاهر ليلا وإفساح المجال للقيام بعمليات التنظيف.
“البث المباشر” الحل لتجاوز الحصار الإعلامي
فضل الشباب الاعتماد على هذه التكنولوجيا بتصوير بداية يومهم، وكيفية استعدادهم للخروج في المظاهرات من إعدادهم للشعارات المتعددة والمميزة وصولا للرايات الوطنية، كما راحوا يقومون ببث مباشر للساحات وأهم الطرقات في العاصمة والولايات الأخرى التي هي أيضا على موعد مع الاحتجاجات قبل انطلاقها، لرصد وضعيتها لتأتي بعدها خدمة “البث المباشر” وتقوم بنقل كل مجريات الحدث بأدق تفاصيلها حتى تلك التي لم تتمكن القنوات والفضائيات من نقلها.
وفي هذا الصدد، كشف لنا العديد من الشباب الذين شاركوا خلال المسيرات، بأن اعتمادهم على الهواتف النقالة وخدمة البث المباشر ساهمت في إيصال صدى المظاهرات الجزائرية للعالم بأسره ولفت انتباههم إليها، حيث يقول “سيف الدين” حاصل على شهادة ماستر في علم الإجرام: “منذ خروجنا في المظاهرات الأولى يوم 22 فيفري الماضي لاحظنا غياب وسائل الإعلام من قنوات تلفزيونية وجرائد عن تغطية الحدث، وهو الأمر الذي جعلنا نعتمد على “الفايسبوك” وبالتحديد تقنية البث المباشر حتى يشاهد أصدقاؤنا في مختلف الولايات وحتى المتواجدين في دول أخرى طريقتنا في الاحتجاج الحضاري، ويسمعوا مطالبنا وبالفعل كانت الاستجابة سريعة حتى الولايات التي لم تسمع من قبل بهذا الحراك انضمت في نفس اليوم، وتزايد عدد المحتجين في كل جمعة ومع ذلك التزموا بالنظام والانضباط”.
في حين أثنى صديقه “عبد الرزاق” طالب بكلية الاقتصاد، على أهمية هذه الخاصية والخدمة التي وقفت في طريق كل من حاول ركوب الموجة من سياسيين ورؤساء أحزاب وشخصيات فنية، غابت عن المواعيد السابقة ولم تتحرك إلا بعد ما أيقنت أن الشعب قال كلمته لا محالة فحاولت الظهور الآن والانضمام لصفوف الشعب، كما اعتبر شمس الدين، طالب في كلية الإعلام والاتصال، خدمة “الفايسبوك” ببثه المباشر صوت الحق الذي يمكن المرء من نقل ما يراه مثلما يريد دون أي تلاعب أو توجيه من جهات رسمية، ودون أن يخضع لمقص الرقابة أو مونتاج حتى يكون ما ينقله متماشيا مع سياسات واملاءات خارجية، فالشعب ينقل الصور مباشرة دون أي زيادة.
مسعفون ومحسنون يستعينون بالفايسبوك خلال المسيرات
وساهم التفاعل المباشر والتعليق في زيادة أعداد المتظاهرين الذين ارتاحوا لأجواء الأمن والسلم والتآخي العاليين، فانضموا نساء ورجالا وأطفالا في شكل مجموعات، عائلات وكذا أصدقاء وجيران للحراك الشعبي، وصنعوا مشاهد ولوحات حرصوا على التقاط صور تذكارية خاصة بهم لنشرها على حائطهم الفايسبوكي، ومعرفة آراء معارفهم حولها وزادوا من إبداعاتهم في كل مرة يخرجون فيها للتظاهر بدءا من الشعارات التي رفعوها والتي تعبر عن انشغالاتهم وتنقل صورا من معاناتهم، ووصولا للمساعدات التي استخدموها كتوزيع المياه على المتظاهرين والحلويات والتمر.
سهلت التكنولوجيا على المتظاهرين الوصول لفرق الإسعاف، فبمجرد كتابتهم تعليقات للبحث عن مسعفين في المنطقة التي كانوا يتواجدون فيها، كان يتم إرشادهم لمكان تواجدهم، أين تقدم لهم فرق الإسعاف المتنقلة يد العون وتساعدهم في تخطي الأزمة أو الطارئ الصحي الذي أصيبوا به، وهو الأمر الذي جنب تسجيل حالات وفيات في صفوف المحتجين بالرغم من تواجد كبار السن ومصابين بالأمراض المزمنة ضمن الصفوف الأولى.
مسنون يخلدون المظاهرات بـ”السالفي”
ولم يقتصر استعمال الهواتف النقالة بغرض التقاط الصور أو بث المظاهرات مباشرات على فئة الشباب فقط، بل حتى كبار السن أيضا، راحوا يستعرضون إمكانياتهم في التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، محاولين بذلك تخليد اللحظات التاريخية بصور “سيلفي” ستظل في الذاكرة والوجدان، ليغص الموقع بصور تعلوها تعليقات الآن من المسيرات الشعبية ومباشر. لتتحول غالبية الفيديوهات والصور لمرجع للفضائيات العالمية التي لم تتمكن من تغطية الحدث، لكن اعتمدت على الصور المنتشرة على مواقع “الفايسبوك” و”اليوتيوب” في إعداد تقاريرها.
الخبير في المعلوماتية: الهاتف الذكي أقوى سلاح في عصرنا الراهن
أكد الخبير في المعلوماتية الدكتور عثمان عبد اللوش، في اتصال لـ”الشروق”، تفوق شباب الجيل الحالي على أوليائهم، فقد أثبتوا من خلال ما صنعوه من مشاهد وصور في مسيرات التغيير عدم وجود وسيلة إعلامية ثقيلة وأخرى بسيطة، فأكبر سلاح اليوم في مجتمعنا المعاصر يقول المختص ليس البندقية أو المسدس، بل هو الهاتف الذكي، وما يحتويه داخله من مميزات من قدرة على تصوير فيديوهات وصور وكتابة نصوص ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، ورصد التفاعلات المباشرة معها وهو أمر لا توفره القنوات التلفزيونية.
وحمّل المختص الدولة الجزائرية مسؤولية إهمال الشباب الجزائري ولم تستثمر فيه، فهناك قرابة 15 مليون شاب مرتبط بالفايسبوك، فشكلوا قوة افتراضية وما الحراك الراهن سوى صورة حقيقية عن هذه القوة، ولأن حجم صداقاته ومعارفه ليس مقتصرا على الوطن، بل لديهم معارف من مختلف أنحاء العالم، فهذا ما يزيد من قوتهم.
مختص في علم الاجتماع: الشباب اعتمد على الفايسبوك حتى لا تغيب الحقيقة
استبعد المختص في علم الاجتماع الدكتور سعدي، أن تحل مواقع التواصل الاجتماعي محل التلفزيونات، فهي توفر نوعا من الاستقلالية في نقل الصورة والمعلومة، فالشباب يسعى حاليا لإثبات ذاته ويرغب في أن يكون البطل، متحديا بذلك سياسة السلطة بتعليماتها وقراراتها المعتمة والمهملة للشعب، لذا يسعى المواطن المغيب لإثبات ذاته بنقل المعلومة والصورة والتعليق عليها مباشرة.
وتوقع المختص حرص الشباب في نقل كل ما يحدث في المظاهرات بأنها رد فعل على الحكم المسبق من السلطة حتى لا تغيبها وسائل الإعلام، لذا عملوا على إظهار التضامن، التعاون، والصور الإيجابية التي لا تستطيع القنوات نقلها، فكان “الفايسبوك” الوسيلة المناسبة لنقل اختلافه وتميزه.