شرعية مشروع مقابل مشروع
أما وقد وصل الأمر إلى هذا الحد من الاستهتار بكل القيم الإنسانية والقانونية والأخلاقية، وإفساح المجال للوحش المتعطش إلى دماء الأبرياء، وحرق غزة عن بكرة أبيها، والوصول إلى غاية الاعتداء على سيادة دولة ترعى المفاوضات، فإنه لم يعد هناك ما يقال إلا أنه بات حتما على الجميع أن يدرك أن الوقت قد حان وأن إعداد العدة قد آن أوانه، إن لم يكن قد تأخر زمانه.
كل الخيارات متاحة أمام العالم العربي والإسلامي، إلا من أبى واستسلم لسنابك خيول هولاكو القادمة. كل المعالم والمؤشرات توضح أننا أمام تواطؤ صهيوني عالمي بقيادة الولايات المتحدة، ولا أحد ينكر ذلك أو يمني نفسه بأن يكون على خطأ، اتقاء لشر حتى التفكر في ذلك. واضح الآن من الذي يقود الآخر، ومن القائد ومن المقاد، ومن هي الفكرة العقائدية التي تحرك الكيان في هذا الوقت بالذات. رئيس وزراء الكيان، ليس إلا بيدقا وعميلا مصلحيا يعمل لصالج اليمين الديني المتطرف الذي يرى في إبادة غزة وسحق الضفة وما بعدها، صورة باهتة لحرق وتدمير أريحا يوم عبور نهر الفرات التاريخي التوراتي. وقد كرر أدبيات ذلك نتن ياهو وآخرون من زمرة وزراء وحاخامات اليمين الصهيوني أكثر من مرة. إنهم يؤلبون كل اليهود على كل المسلمين والعرب أينما حلوا وارتحلوا، وليس في غزة أو الضفة فقط، وقد قالوها أكثر من مرة على لسان أكثر من ناطق، علانية وعلى الملأ، بمن فيهم نتن ياهو. كل العرب وكل المسلمين في دول الجوار وغير الجوار مهددون، بالإخضاع والعدوان، اليوم أو غدا، والمسألة لا تعدو أن تكون مسألة وقت، وإن غدا لناظره قريب. إنهم يهيئون أنفسهم لحكم المنطقة وإعلان مملكتهم الأخيرة على يد الملك نتن ياهو والمخلص دونالد ترامب: قال ذلك ووعد بها حاخاماتهم، وما على “الغوييم” إلا السمع والطاعة واتباع “هداهم”. هذا تفكيرهم هم، فما هو تفكيرنا وموقفنا نحن، ونحن نرى ونسمع التهديدات علانية، بل ونلمسها على المباشر وعلى بعد آلاف الكيلومترات: أمس لبنان وإيران واليوم الجميع: اليمن، سورية، لبنان، يضاف إليها قطر، البلد “المسالم”، حليف أكبر حليف للكيان، فماذا بعد هذه القائمة: بالتأكيد القائمة طويلة، قد لا تستثني حتى دول التطبيع.
الأدبيات التاريخية الدينية التي يبني عليها الكيان الصهيوني تصوره للمنطقة وحدوده الوهمية، تشير إلى أنهم يحضرون بشكل جدي وحثيث لفكرة التحضير للخلاص الديني وانتظار “المسيخ”، الذي لن يكون إلا “دجالا” في أديباتنا الدينية والعقائدية والتاريخية، وهذا يحتم علينا التعامل مع هذا التصور بإعداد العدة لمواجهة هذا المشروع، ولنا كل الإمكانيات العقلية والمادية والمالية والبشرية والدفاعية في ذلك، فقط يجب أن نقرأ التاريخ جيدا، ونفهم كيف علينا أن نحضر للمواجهة الكبرى، التي قد لا تكون محصورة في رقعة الشرق الأوسط، الذي سيكون بالتأكيد بؤرتها ومركزها، لكن الصراع سيكون أبعد: صراع عالمي، يبدأ التحضير له من الآن، إن لم يكن الوقت قد بدأ ينفد: تحالف عربي إسلامي على أعلى المستويات بما فيها الأمنية، وقد بدأنا نرى بوادر هذا التحرك بعد القمة العربية. تحالف ضروري بل وواجب بين الكتلة السنية بقيادة المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان والكتلة الشيعية بقيادة إيران، رفقة القوى الكبرى في العالم العربي ولإسلامي من بينها مصر والجزائر، وتعاون ومشاركة فعالة لدول الشرق، بدءا من الصين وروسيا. هذه الدول المحورية التي عليها أن تتحرك لكسر الجمود والاستكانة التي يستغلها العدو من أجل إخضاع أمة بأكملها.