شروط جديدة للالتزامات الخارجية للبنوك ابتداء من ماي 2026
“بنك الجزائر” يفرض سقف 50 بالمائة… وتطبيق فوري من دون أي فترة انتقالية
الهدف تعزيز الانضباط المالي وتقليص مخاطر الالتزامات خارج الميزانية
فرض بنك الجزائر حدا أقصى جديدا للالتزامات الخارجية للبنوك، لا يتجاوز 50 بالمائة من أموالها الخاصة، على أن يدخل هذا الإجراء حيّز التنفيذ ابتداء من 1 ماي 2026، ما يُلزم البنوك بتطبيقه فورًا من دون أي فترة انتقالية.
وفي السياق، أصدر بنك الجزائر تعليمة جديدة تتعلق بتحديد مستوى الالتزامات الخارجية للبنوك والمؤسسات المالية، وحسب التعليمة رقم 03-26 المؤرخة في 26 أفريل 2026، المعدّلة للتعليمة رقم 02-2015 المؤرخة في 22 جويلية 2015، والموقعة من طرف محافظ بنك الجزائر، محمد الأمين لبو، اطلعت عليها “الشروق”، فإن هذه التعليمة تهدف إلى تعديل وتتميم التعليمة السابقة التي تحدد مستوى الالتزامات الخارجية للبنوك والمؤسسات المالية.
ونصّت المادة الثانية على أنه يجب أن لا يتجاوز مستوى الالتزامات الخارجية بالتوقيع للبنوك والمؤسسات المالية نسبة خمسين بالمائة “50 بالمائة” من أموالها الخاصة التنظيمية، كما هي محددة في التنظيم الاحترازي المعمول به، وتشمل هذه الالتزامات تلك المتعلقة بالضمانات والاعتمادات خارج الميزانية.
كما أوضحت المادة الثالثة أن هذه التعليمة تدخل حيّز التنفيذ ابتداء من 1 ماي 2026، مع الإبقاء على أحكام التعليمة رقم 02-2015 غير المعدّلة بموجب هذه التعليمة السارية من دون تغيير.
هذا ويأتي صدور هذه التعليمة من “بنك الجزائر” في سياق دولي ووطني يتسم بارتفاع المخاطر المالية وتشدد المعايير الاحترازية، خاصة بعد التحولات التي شهدها النظام المالي العالمي في السنوات الأخيرة، فالسلطات النقدية تسعى إلى تحصين الجهاز البنكي من أي صدمات خارجية محتملة، خصوصا تلك المرتبطة بتقلبات الأسواق الدولية أو تزايد الاعتماد على الضمانات والالتزامات خارج الميزانية.
كما يعكس القرار رغبة واضحة في تعزيز الانضباط داخل البنوك والمؤسسات المالية، من خلال وضع سقف دقيق للالتزامات الخارجية بالتوقيع، والتي غالبا ما تستعمل في تمويل التجارة الخارجية أو إصدار الضمانات، هذه الأدوات، رغم أهميتها الاقتصادية، قد تتحول إلى مصدر مخاطر إذا لم تكن مؤطرة بشكل صارم، ما يبرر تحديدها عند مستوى 50 بالمائة من الأموال الخاصة التنظيمية.
ومن بين الأسباب الرئيسية أيضا، السعي إلى مواءمة الإطار التنظيمي الجزائري مع المعايير الدولية، خاصة تلك التي تفرضها اتفاقيات لجنة بازل للرقابة المصرفية، والتي تشدد على ضرورة التحكم في المخاطر خارج الميزانية وتعزيز صلابة رؤوس أموال البنوك. هذا التوجه يعزز مصداقية النظام البنكي الجزائري ويُحسن صورته أمام الشركاء الدوليين.
أما من حيث المزايا، فإن هذه التعليمة ستساهم في تقليص المخاطر النظامية، عبر ضمان وجود توازن بين حجم التزامات البنوك وقدرتها الفعلية على تغطيتها. كما تدفع البنوك إلى تحسين إدارة المخاطر واعتماد سياسات أكثر حذرًا في منح الضمانات، وهو ما ينعكس إيجابًا على استقرار القطاع المالي ككل.
وفي بعده الاقتصادي، يُتوقع أن يعزز هذا الإجراء الثقة في المنظومة البنكية الوطنية، سواء لدى المستثمرين المحليين أو الأجانب، من خلال تأكيد التزام الجزائر بإصلاحات مالية تدريجية ومدروسة، كما يمنح السلطات النقدية أدوات أفضل لمراقبة التدفقات المالية الخارجية، بما يدعم التوازنات الكبرى للاقتصاد الوطني ويحميه من أي انزلاقات محتملة.
وبالمقابل، ترتبط هذه التعليمة بشكل غير مباشر بعمليات الاستيراد، باعتبار أن جزءا كبيرا منها يُمول عبر أدوات بنكية مثل الاعتمادات المستندية وخطابات الضمان، وهي تُصنَّف ضمن “الالتزامات الخارجية بالتوقيع”، ومن خلال وضع بنك الجزائر سقفا لهذه الالتزامات عند 50 بالمائة من الأموال الخاصة، تصبح البنوك أكثر انتقائية في تمويل عمليات الاستيراد، خاصة عند الاقتراب من هذا الحد، ما يدفعها إلى إعطاء الأولوية للعمليات ذات الطابع الاستراتيجي كالمواد الأولية والتجهيزات الصناعية، مقابل الحد من تمويل الواردات الأقل أولوية أو ذات الطابع المضاربي، وبهذا، يحقق الإجراء هدفا مزدوجا، إذ يعزز الانضباط المالي داخل البنوك، وفي الوقت نفسه يسمح بالتحكم في فاتورة الاستيراد بطريقة غير مباشرة، عبر القناة التمويلية بدل اللجوء إلى قيود إدارية، وهو ما ينعكس إيجابا على توازنات العملة الصعبة وتنظيم السوق.