الرأي

صبر الجزائريين بلا حدود‬

محمد سليم قلالة
  • 3604
  • 0

ينتظرون في‮ ‬الطريق لساعات من أجل قَطع بضعة كيلومترات،‮ ‬ينتظرون لسنوات من أجل الحصول على سكن،‮ ‬ينتظرون كل شبابهم للفوز بمنصب شغل،‮ ‬ينتظرون في‮ ‬كل مكان‮: ‬في‮ ‬الإدارة،‮ ‬في‮ ‬المستشفى،‮ ‬في‮ ‬البريد،‮ ‬في‮ ‬المدارس،‮ ‬في‮ ‬الثانويات،‮ ‬في‮ ‬الجامعات،‮ ‬ينتظرون وينتظرون أحيانا لساعات وأخرى لأيام وثالثة لشهور ورابعة لسنوات وخامسة لعقود وسادسة العمر كله للفوز بما كان‮ ‬يمكن أن‮ ‬يحصلوا عليه بلا انتظار ولا سأم ولا قلق ولا خوف‮… ‬

في‮ ‬كثير من الأحيان لا‮ ‬يُحقِّق الانتظار أية نتيجة وإذا حدث‮ ‬يكون بعد فوات الأوان‮… ‬المريض‮ ‬يستفحل لديه المرض أو‮ ‬يموت،‮ ‬والبطّال‮ ‬يكون قد فقد حافز الشباب أو وضع خطوة في‮ ‬عالم اليأس،‮ ‬والأب والأم‮ ‬يهرمان عند دخول الشقة الجديدة،‮ ‬والعامل‮ ‬يصل عمله وقد فقد كل رغبة في‮ ‬العمل،‮ ‬وهكذا في‮ ‬كل قطاع وفي‮ ‬كل مجال‮ ‬يُلغي‮ ‬الانتظار قيمة الوقت،‮ ‬يقضي‮ ‬على الفعالية،‮ ‬يقتل المبادرة،‮ ‬يمنع الابتكار،‮ ‬يضع حدا لكل تطوّر أو تقدّم،‮ ‬يُبعدك تماما عن طريق بناء الحضارة‮… ‬يُنبِّهنا،‮ ‬يُقدِّم لنا الدليل القاطع أننا لسنا في‮ ‬حالة بناء حضاري‮ ‬جديد،‮ ‬إنما في‮ ‬حالة من الفوضى والعمل‮ ‬غير الممنهج الذي‮ ‬نريد من خلاله تغطية حقيقة ما نحن عليه‮.‬

الانتظار،‮ ‬والانتظار الطويل هو الدليل القاطع على محدودية الأفق،‮ ‬ضعف التصوّر،‮ ‬انعدام الرؤية الاستشرافية‮…‬

نعرف حاجتنا في‮ ‬سوق العمل،‮ ‬ونعرف ما‮ ‬يتطلبه قطاع الصحة،‮ ‬ونعرف حالة طرقنا وحجم حظيرة السيارات الوطنية،‮ ‬ونعرف عدد التلاميذ الذين سيلتحقون بالمدرسة كل سنة،‮ ‬ونعرف كم تُكوِّن الجامعة والمدارس من شباب سيدخل سوق العمل،‮ ‬ونعرف كم هي‮ ‬طلبات الجزائريين في‮ ‬مجال السكن،‮ ‬والاستهلاك،‮ ‬وفي‮ ‬كل المجالات‮.. ‬نعرف ذلك أو بإمكاننا أن نعرف ذلك‮.‬

ما الذي‮ ‬يجعلنا لا نستبق المشكلات،‮ ‬ولا نستحدث حلولا لها قبل أن تستفحل؟ من الذي‮ ‬لا‮ ‬يتوقف باستمرار عن إنتاج عناصر اليأس ويمنعنا من صناعة الأمل من جديد؟

أقول لكم من هؤلاء؟ هؤلاء هم الذين تُفسح لهم الطريق ولا‮ ‬ينتظرون في‮ ‬زحمة المرور،‮ ‬فلا‮ ‬يشعرون بما‮ ‬يشعر به المواطن المختنِق داخل الحافلة أو السيارة،‮ ‬هم الذين لا‮ ‬يموت لهم مرضى من الانتظار في‮ ‬المستشفيات لأن مستشفياتهم هناك،‮ ‬هم الذين لا‮ ‬ينتظرون في‮ ‬سوق العمل أو للحصول على سكن،‮ ‬هم الذين لا‮ ‬ينتظرون نهاية الشهر للحصول على مرتّباتهم،‮ ‬هم الذين‮ ‬يستثمرون في‮ ‬الانتظار ويعيشون على صبر الجزائريين،‮ ‬هم الذين‮ ‬يعتقدون خطأ أن صبر الجزائريين بلا حدود‮…‬

مقالات ذات صلة