صدمة ثلاثية.. أقل ما يلزم!
أكاد أجزم أننا في حاجة إلى صدمة عقولنا بشيء أكبر من الماضي والحاضر والمستقبل لعلنا نكتشف حقيقة الحال التي نحن عليها. شعوبٌ وأمم حيَّة متصالحة مع ماضيها ومُنسَجِمة مع حاضرها تتطلع إلى ما ستكون عليه بعد 20 سنة أو 50 سنة، أو حتى 100 سنة من الآن في جميع المجالات، ونحن ننزل بتفكيرنا إلى ما دون البديهيات ونجعل من ذلك هدفا استراتيجيا نسعى لتحقيقه..
ننزل إلى ما دون تفكير أجدادنا وأمهاتنا ممن نقول عنهم أميين لنكتشف مَن نكون؟ وبأيِّ لغة علينا أن نتكلم؟ وإلى أيِّ ديانة ننتمي؟ ومن أين جئنا؟ وإلى نحن ذاهبون؟… ننزل إلى ما دون الحد الأدنى مما ينبغي أن يتوفر في أمة من الأمم، ونحن الذين دفعنا أغلى ما نملك عبر قرون من الوجود الحضاري الحي، لنكون هذا البلد الذي نعيش فيه الآن.
هل كان أجدادنا منذ قرون يَشكُّون في دينهم ولغتهم وانتمائهم، وفي أصولهم وأنسابهم، في أعراشهم وأسرهم، في ألقابهم وأسمائهم، وعلاقاتهم ببعضهم البعض؟ هل نحن أكثر أصالة منهم؟ بل هل نحن أكثر وعيًا وحِكمة؟ هل من بينهم من كان يتساءل عن أصله أو عرقه أو لونه؟ أم أنهم كانوا يعيشون في سلام وأمن فيما بينهم مُنسجمين مع ذواتهم وأوطانهم وعاداتهم وتقاليدهم متآخين مُتحابِّين يتزاورون ويتصاهرون ويتبادلون المنتجات من دون حساسية ولا إحساس بالنقص من هذا أو ذاك. هل نحن أكثر فهما للماضي منهم أم أكثر تخلفا في هذا المجال؟
وفي الحاضر، أي مشروع وطني نملك مقارنة بما امتلكوا؟ لقد اتحدوا كرجل واحد وضحُّوا بخيرة الرجال والنساء من بينهم في ثورة من أعظم ثورات القرن العشرين، واستعادوا السيادة لبلدهم، واجتهدوا في مجال بناء وطنهم بالقدر الذي استطاعوا… فإذا بنا نحن نُشكِّك في خياراتهم، ونُنصِّب أنفسنا “خبراء” في فهم خلافاتهم وفي تصنيفهم إلى خونة ومُخلصين، بل وننشر العداوة بينهم حتى وهم أموات، ونجعل من انتصارنا لهذا على حساب ذاك “مشروعنا” الجديد، بدل أن نسأل أنفسنا ماذا قدّمنا وماذا سنقدم لهذا الوطن كجيل جديد؟…
وفي اللحظة التي أصبح من واجبنا أن نطرح هذا السؤال، وأن نتطلع إلى المستقبل، وأن نستوعب التحوُّلات الكبرى التي تطرأ في العالم، وأن نُسارع إلى توحيد الجهود لعلنا نلتحق بالركب، أن نجعل لوطننا غاية كبرى يحققها خلال العقود القادمة، وأن نُبادر إلى طرح عناصر رؤية شاملة لِما ينبغي أن يكون عليه بلدنا، أن نَغار من تقدُّم الآخرين، وأن ننافسهم في التقدُّم العلمي والصناعي، وأن نتصور أنفسنا في مستوى قناعاتهم وتضحياتهم وطموحهم… نكاد اليوم نعود القهقرى إلى الوراء، وكأننا لسنا أحفاد من صنعوا تاريخ هذا البلد، وتضعف الهِمّة لدينا، ونعجز عن المبادرة بمشروع وطني شامل وجديد…
ألسنا في حاجة حقا إلى أن نصدم تفكيرنا بالماضي لعله يصحو، وبالحاضر لعله يتحرك، وبالمستقبل لعله يقدم البديل وبأكثر من ذلك إن استطعنا؟ فمن له بهذه الصدمة الثلاثية أو أكثر منها لعلنا نفيق؟