“صراع صلاحيات” بين الوزراء والوزراء المنتدبين وكتاب الدولة
وجه عدد من وزراء الحكومة، ممن يتقاسمون التسيير في دوائرهم الوزارية مع وزراء منتدبين وكتاب دولة، تعليمات لمديرياتهم المركزية، يطالبون بالتعامل مباشرة مع دواوينهم، وإيفادهم بكل صغيرة وكبيرة، دون المرور عبر شركائهم في القطاع، من كتاب دولة والوزراء المنتدبين، في إجراء رسمي متعمد لقطع طريق هؤلاء وسحب الصلاحيات والمبادرة منهم، وإجلاسهم عنوة في “دكة الاحتياط” للانفراد بصناعة القرار في قطاعاتهم، وسط إشكالية صلاحيات بينهم.
وضمن هذا السياق، علمت “الشروق” أن العائد للجهاز التنفيذي بعد قرابة 12 سنة من الإبعاد، وزير التهيئة العمرانية والبيئة والمدينة، عمارة بن يونس، وجه تعليمة، الأسبوع الماضي، إلى مختلف مديرياته، يطالبهم فيها بالتعامل معه مباشرة، وفي كل كبيرة وصغيرة من الملفات، كما طالبهم بتحويل البريد الوارد إلى الوزارة عليه مباشرة. هذه التعليمة التي أعطت الانطباع لدى الجهات التي وصلتها بوجود تنازع في الصلاحيات بين الوزير وبين كاتبة الدولة، دليلة بوجمعة، ناهيك عن القراءة السياسية التي أحدثتها، والتي جعلت جدران أروقة الوزارة تهمس بتخوف عمارة بن يونس من منافسة كاتبة الدولة التي تعتبر ابنة القطاع، وأكثر دراية بخباياه.
وعلى درب الديمقراطي عمارة بن يونس، سار باقي الوزراء في الاستحواذ على صلاحيات كتاب الدولة وعزلهم عن المشاركة في صناعة القرار، بحسب مصادرنا، فكتاب الدولة الـ5 “غمّ” عليهم وتعذر عليهم رؤية صلاحياتهم، رغم مرور أزيد من 100 يوم على إقامتهم بدواوين وزارية في شكلها، وأجنحة للراحة والاستجمام في مضمونها، والصلاحيات المخولة لها، فكاتب الدولة لدى الوزير الأول المكلف بالاستشراف والإحصاء، بشير مصيطفى، فقد قواه الضاربة، كما فقد جدوى وجوده في الجهاز التنفيذي، بسحب وزارة المالية للهيئة الوحيدة التي كان يفترض فيها أن تكون أداة من أدوات عمله، كما يجرنا الحديث للاستفهام عن صلاحيات بلقاسم ملاح ككاتب دولة مكلف بالشباب، وماذا عن صلاحيات محمد أمين حاج السعيد ككاتب دولة مكلف بالسياحة، في بلد لا يشكل فيه هذا القطاع موردا ماليا أصلا.
إشكالية الصلاحيات والهيكل التنظيمي لكتابات الدولة، وتحديد هوامش تحرك كل وزير ووزير منتدب وكاتب دولة، ومحاولات الوزراء قطع طريق شركائهم، إذا صح التعبير، أحيت في الذاكرة الحديث عن صراع قديم، ومحاولات لتحجيم وشل إرادة الآخر في المبادرة، فمبنى وزارة الفلاحة، مازال يروي قصة معاناة رشيد بن عيسى مع السعيد بركات، أيام كان يشغل هذا الأخير منصب وزير الفلاحة، والآخر منصب الوزير المنتدب المكلف بالتنمية، وكيف كان يعمل جاهدا على عزله بكل الوسائل.
كما تروي جدران وزارة الصحة قصة معاناة نوارة جعفر مع جمال ولد عباس، أيام كانت الوزارة المنتدبة المكلفة بالأسرة ملحقة بوزارة التضامن، وكيف كان ولد عباس “يحجر” عليها وعلى تفاصيل تسيير الملف، وحتى على الأمور الشكلية من برتوكولات وكيفية تقديم القهوة والشاي.
وبدرجة أقل، تشهد التصريحات المتضاربة أحيانا بين وزير الشؤون الخارجية، مراد مدلسي، والوزير المنتدب لديه، عبد القادر مساهل، عن تداخل في الصلاحيات وتنازع في تسيير الملفات، هذه الصراعات تكشف حقيقة واحدة أن مناصب كتاب الدولة والوزراء المنتدبين في الجزائر، مازالت مجرد عناوين كبيرة لمناصب مجردة من الصلاحيات، مادام المنطق السائد هو أولوية الفرد على الجماعة، فإلى متى يستمر صراع الديكة في فناء القصر؟