الرأي

صراع للغير

قال الذين يعلمون ما لا يعلم كثير من الناس مما يجري الدهاليز عما عُرف بقضية سوناطراك والطريق السيار و…و… إن الأمر لا يعدو في بُعده الحقيقي عن الصراع بين جماعتين “تتكالبان” على الجزائر، هما “جماعة فرنسا”، العاملين لها، الحالبين في دلوها، الحاطبين في حبلها، وبين “جماعة الولايات المتحدة الأمريكية” الذين ارتبطت مصالحهم بمصالحها.. فما كان من الأولين – جماعة فرنسا- إلا أن تآمروا على الآخرين – جماعة أمريكا – ، وبإيعاز من أوليائهم في باريس للإيقاع بهم، فلفقوا لهم ما لفقوا – إن صدقا وإن كذبا – لكن الرياح جرت بما لم تشته سفن “جماعة فرنسا”، وسقط في أيديها، وعضّت أناملها غيظا وحسرة، بعدما “انتصر جماعة أمريكا”، التي قد يؤول أمر الجزائر إلى “رمزها” الذي فُرش له البساط الأحمر، وقد يرفع دعوى ضد من “تآمر” عليه، “وكاد” له، ويرمى به – أو بهم – في غيابات السجن بضع سنين، وقد بُدئ “التمهيد” له.

لقد كتبت منذ أربع عشرة سنة في جريدة “الشروق ” – وبالضبط في 27 جويلية 2002 – كلمة تحت عنوان “الجزائريين بني oui-oui وبني yes-yes”، إشارة إلى الصراع الذي بدأ يطفو بين الجماعتين، جماعة “بني وي-وي”، أصحاب “الشرعية التاريخية”، وجماعة “بني  يس-يس” أصحاب “الشرعية البراجماتية”.. وقد ظهر تعبير “بني يس-يس” بعد نزول قوات الحلفاء – أمريكا وبريطانيا – في الجزائر في نوفمبر 1942، وذلك إعدادا واستعدادا لفتح جبهة جنوبية ضد ألمانيا بعد الجبهة الغربية – جبهة النورمندي – فلما رأى خدام فرنسا اللاحسين لحذائها بألسنتهم، اللاهثين لخدمتها أنها أضعف مما كانوا يظنون، وأن جيشها لم يستطع أن يدافع عن حدودها – رغم خط ماجينو – ولا أن يحمي عاصمتها – باريس – التي عربد هتلر وجيوشه في شوارعها وساحاتها، لما رأوا – جماعة فرنسا – ذلك سارعوا إلى تغيير ولائهم، وبدّلوا شعارهم – على الأقل في الظاهر– من “بني وي-وي” إلى “بني يس يس”…

الأصل أن يكون ولاء المرء أولا وآخرا، ظاهرا وباطنا لوطنه، وأن يكون خادما له، حريصا على مصالحه المادية، متشبعا بقيمه ومبادئه، معتزا بها ومفتخرا، مجادلا عنها، لا أن يكون خصما لمواطنه لخدمة مصالح غيره وأهدافه المادية والمعنوية كما نلاحظ عند بعض رهطنا..، ولكن بما أن الواقع على غير ما نحب، لأن أمر مسيّرينا ليس بأيديهم، ولأنهم لم يأتوا بإرادة شعبية، فهم منقسمو الولاء لهذه القوة الأجنبية أو تلك، فإنني فضّلت – وأفضل وسوف أفضل – جماعة “بني يس-يس” على “بني وي-وي”، بانيا هذا التفضيل على اعتبارات “وجيهة”، لا كما يفعل جماعة “بني وي-وي”، وهذه الاعتبارات كما ذكرتها هي: 

قوة الولايات المتحدة الأمريكية العسكرية، والراكن إلى “الأقوى” معذور وغير ملوم، فهو أحسن من الراكن إلى “الضعيف” أو الأقل قوة..

ثراء أمريكا، فهو أغنى قوة اقتصادية، وبما أن منطق “الجماعتين” هو “البطن وما حوى”، و”اللي مات على شبعة مات مرحوم” فإن اتباع “الأغنى” أجدى وأنفع، فاللاجئ إلى الدار الكبيرة إذا لم يشبع “يبات في الدفا”.. 

لغة  أمريكا -الإنجليزية- هي اللغة العالمية العلمية “الأولى” في العالم، وكل الدول مقتنعة بذلك إلا “الرهط” الذين يُسيّرون دولتنا. 

لا “تتدخل أمريكا” في عادات الشعوب وتقاليدها، ولا تجبرها على أن تكون “نسخة مشوّهة” عنها..وقلت إن الدليل على ذلك هو “قمصان أهل الخليج ودشادشهم وعقالاتهم”، ولباس الآسيويين في أمريكا، بينما يمنع “جماعة فرنسا” في بعض فنادقنا الدخول إليها بـ “قندورتنا”، وقد وقع ذلك معي شخصيا.. كما لم تضق أمريكا – رغم 11 سبتمبر– بـ “نِقابات” نسائنا و”خماراتهن”. وقد سمعنا ورأينا سفراء الولايات المتحدة الأمريكية يتكلمون بلغتنا الوطنية الرسمية، بينما يستنكف بعض “وزائنا” أن يحدثونا بلغتنا، كما لم نسمع سفيرا فرنسيا يفعل ذلك…

ليس بيننا وبين أمريكا ما بيننا وبين فرنسا من “ثارات”، فأمريكا لم تستعمر الجزائر، وهي لم تكن ناكرة للجميل كما تنكرت له فرنسا من إنجاد الجزائر لفرنسا ضد عدة دول، وضد “العصبة المقدسة”، وإنجاد الجزائر لها بالمواد الغذائية بعد الحصار الذي ضُرب عليها من الدول الأوروبية عقب ثورتها، وموت كثير من الجزائريين دفاعا عنها…

لكل هذه الاعتبارات فضلت “بني يس-يس” على “بني وي-وي”، و”بعض الشر أهون من بعض” كما جاء في أمثال “العرب” عندما كانوا عربا.

مقالات ذات صلة