الرأي

صلاّحة‭ ‬النوادر‭!‬

جمال لعلامي
  • 3905
  • 2

تعوّد الجزائريون على تطابق مشاهد غلق الطرقات بالطين، وتصاعد منسوب المياه عبر الشوارع، وخروج الأوحال من قنوات صرف المياه، وذلك إثر قدوم “صلاّحة النوادر” كل نهاية أوت وبداية سبتمبر، والحال، أن هذه المظاهر أصبحت تثير الشفقة اتجاه سلطات محلية تحوّلت بقدرة قادر‭ ‬إلى‭ ‬‮”‬شاهد‭ ‬ما‭ ‬شافش‭ ‬حاجة‮”‬‭ ‬يتفرّج‭ ‬ويتسلى‭ ‬بالفيضانات‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يحرّك‭ ‬ساكنا‭!‬

قد تكون الجزائر في هذا الوقت بالذات، في حاجة ماسة إلى “صلاّحة النوادر” تطهّر الذهنيات والعقليات من الفساد الفكري والركود الذي ينخر شؤون التسيير والتدبير، وقد أصيب عشرات المسؤولين من القمة إلى القاعدة، بوباء القصور العقلي الذي لا يختلف كثيرا عن القصور الكلوي‭!‬

من الأفيد أن تجتاح الحكومة “صلاْحة النوادر” تغسلها من وزراء مولعين بحكمة “راڤدة وتمونجي”، وتطهرها من الفوضى والعشوائية والاتكال، فتحدث تغييرا وزاريا يعيد الاعتبار للجهاز التنفيذي، وينفض الغبار عن المشاريع النائمة والمنوّمة مغناطيسيا!

الجزائر‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬‮”‬صلاحة‭ ‬نوادر‮”‬‭ ‬تطهر‭ ‬الإدارة‭ ‬من‭ ‬البيروقراطية‭ ‬والرشوة‭ ‬والمحسوبية‭ ‬وتعطيل‭ ‬ملفات‭ ‬المواطنين‭ ‬والمستثمرين،‭ ‬وحتى‭ ‬برامج‭ ‬ومشاريع‭ ‬الحكومات‭ ‬المتعاقبة‭!‬

الأحزاب‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬‮”‬صلاّحة‮ ‬النوادر‮”‬‭ ‬تغسل‭ ‬عارها‭ ‬وتطهرها‭ ‬من‭ ‬الرجس‭ ‬السياسي‭ ‬ومن‭ ‬‮”‬الهفّ‮”‬‭ ‬ومخادعة‭ ‬المواطنين‭ ‬والنصب‭ ‬عليهم‭ ‬خلال‭ ‬الحملات‭ ‬الانتخابية‭ ‬بالوعود‭ ‬والعهود‭ ‬الكذّابة‭!‬

إن الجزائر بحاجة أيضا إلى “صلاّحة النوادر” تغسل المجتمع والمؤسسات من “الحڤرة” والتمييز والمفاضلة واللاّعدل في توزيع الثروات والمسؤوليات، وتطهر الأفراد والجماعات من النرجسية واللاّثقة في النفس وعقلية “تخطي راسي!”

هو‭ ‬حلم‭ ‬لو‭ ‬تجتاح‭ ‬‮”‬صلاّحة‭ ‬النوادر‮”‬‭ ‬الأسواق‭ ‬والمحلات‭ ‬والتجار‭ ‬والبازارات‭ ‬والمصانع‭ ‬والموانئ،‭ ‬فتطهرها‭ ‬من‭ ‬التهرّب‭ ‬الضريبي‭ ‬وإدخال‭ ‬الأيدي‭ ‬إلى‭ ‬جيوب‭ ‬الزوالية،‭ ‬وتغسلها‭ ‬من‭ ‬التطفيف‭ ‬في‭ ‬الميزان‭ ‬والغش‭ ‬والتدليس‭! ‬

إنـّنا‭ ‬جميعا‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬‮”‬صلاّحة‭ ‬النوادر‮”‬‭ ‬تعيد‭ ‬لنا‭ ‬الأخلاق‭ ‬والقيم‭ ‬والمبادئ‭ ‬والتضامن‭ ‬والوحدة‭ ‬والتكاتف‭ ‬و‮”‬التويزا‮”‬‭ ‬والتعاون‭ ‬واحترام‭ ‬الوقت‭ ‬والإيثار‭ ‬والإيثار‭ ‬وحبّ‭ ‬الخير‭!‬

إنـّنا جميعا في حاجة إلى “صلاّحة النوادر” تغسلنا من الأنانية وحبّ الذات على حساب الجماعة، وتغسلنا من الكراهية والحقد والضغائن والانتقام والإهمال واللامبالاة والتماطل وعدم إنجاز الواجبات وأداء الأمانات!

إن المجتمع في حاجة إلى “صلاّحة النوادر” وربّما إلى طوفان أو فيضان أو تسونامي، يطهره من العادات الدخيلة وأمراض التقليد الأعمى الذي حوّله إلى تابع وليس متبوع، فاستبيح في أرضه وعرضه وتماسكه وأخلاقه!

.. إذا استفدنا من كلّ ذلك، ستكون “صلاّحة النوادر” نعمة وليس نقمة، تخرج الشجر والحجر وتجرف الحيوان والبشر، وتدمّر المنازل وتقطع الطرقات، وتعزل المدن والقرى وتحوّلها إلى مناطق محرمة ومنكوبة بلا غاز ولا كهرباء ولا ماء!

نعم،‭ ‬الجزائر‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬ماسّة‭ ‬إلى‭ ‬‮”‬صلاحة‭ ‬النوادر‮”‬‭ ‬تأتي‭ ‬بالحساب‭ ‬والعقاب،‭ ‬فتجرف‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬خفّ‭ ‬وزنه‭ ‬وتـُبقي‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬ثقل‭ ‬وزنه،‭ ‬فقديما‭ ‬قالوا‭: ‬ما‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬الواد‭ ‬غير‭ ‬حجارو‭!‬

مقالات ذات صلة