-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

صيانة الدين والأرض والعرض…

محمد سليم قلالة
  • 3849
  • 11
صيانة الدين والأرض والعرض…

يبدو بالفعل أن بلادنا اليوم أصبحت في حاجة إلى صيانة شاملة، لا تقتصر على العدة والعتاد، إنما تسارع إلى البدء بصيانة الدين والأرض والعرض. التطاول على البسملة، وحركات الأحمدية والكركرية وما تقوم به الفرق المتشددة الأخرى جزء من التلاعب بالدين، والتطاول على الموارد المالية والمادية للبلاد جزء من التطاول على الأرض، والتمادي في إهمال العائلة والطفولة ومحتوى المنظومة التربوية جزء من التطاول على العرض. علينا الانتباه إلى هذه المسائل جميعها قبل فوات الأوان…

عند النظر إلى المسائل المتعلقة بالمساس بحرمة الدين الإسلامي وخطه المعتدل الواضح، والمسائل المتعلق بنهب المال العام، وبتفشي الرذيلة والمخدرات في المجتمع، كل على حدة، يبدو وكأنه ليس بينها علاقة وطيدة، ولا تأثير وتأثر ببعضها البعض… ولكن عند محاولة النظر إلى مستقبل الجزائر من خلال النتائج الحالية التي ستترتب عليها في المستقبل، يتبين أنها جميعها تصب في خانة واحدة: محاولة المساس بتماسك المجتمع والأمة وضرب أركان الدولة الجزائرية في الصميم، بغاية منعها من أن تتحول إلى دولة كاملة الأركان تستطيع بالفعل أن تؤدي دورها كاملا في المنطقة وضمن المحيط الجغرافي والسياسي والحضاري الذي تنتمي إليه.

لقد سبق أن تعرضت بلادنا لهجمات من أكثر من جانب وجهة، ولكنها لم تكن بالكثافة التي تعرفها هذه المرة، حيث تعدى الأمر المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية التقليدية إلى مجالات أكثر عمقا، تتعلق بالبناء الداخلي للمجتمع وبتماسك مكوناته (الدين، المال، العرض)، وهي مكونات لا تستجيب للتأثير بسرعة ولكن أي كسر يصيبها يُصبِح في حاجة إلى عقود لترميمه. وهو ما يقع بالفعل على أكثر من مستوى، مما جعل المشكلة التي نعرفها أكبر من أن تكون أزمة سياسية على مستوى أعلى هرم في السلطة أو أدنى من ذلك كما نسمع كل يوم، ولا أزمة أشخاص يمكن استبدال هذا بهذا، ولا أزمة أخطاء في التسيير يمكن جبرها بتغييرات وزارية أو إدارية.. 

لقد كانت البداية بالفعل “أزمات” من هذا النوع، ولكنها تحولت بفعل عامل الزمن والعمل الدؤوب لمن يتربص ببلادنا شرا (قوى داخلية وخارجية) إلى الركائز الأساسية التي يقوم عليها المجتمع.

لقد تحول الاستهتار بقيم الأمة الدينية ورموزها ( التطاول على التربية الإسلامية، البسملة، المذاهب الغريبة، التمسيح، محاولة غلق المدارس القرآنية…)، إلى حالة من الاعتداء على الدين الإسلامي المقوم الرئيس لوجود الأمة الجزائرية ووحدتها وتماسكها. وتحول التلاعب بالمال العام ونهبه وتبديده وتهريبه وصرفه على الكماليات بلا رقيب ولا حسيب إلى مساس بالأرض كقيمة ثابتة، بما تزخر به من ثروات وخيرات ليست فقط ملكا للأجيال الحالية بل للأجيال المستقبلية أيضا. كما تحول الإهمال التدريجي لتربية الإنسان منذ الطفولة على الأخلاق الفاضلة والقيم السامية، وتركه عرضة لتأثير مختلف الآفات والآثار الضارة الناجمة عن الانفتاح الرهيب على العالم دون تحصين داخلي، واستقباله يوميا آلاف المؤثرات الذهنية والعقلية بما في ذلك المخدرات، تحول هذا الإهمال إلى مساس خطير بعرض الأمة بمفهوم العرض الواسع سواء تعلق بالإناث أم الذكور.

هذا التحول الخطير الذي يحدث ونحن في حالة من التركيز على مسائل لها علاقة بالسياسة في أعلى قمة الهرم يجعلنا نطرح مسألة أهمية الصيانة اليوم، بعد أن فشلنا في الوقاية طيلة السنوات السابقة؟ والصيانة تعني ترميم ما فسد والسعي إلى إعادته إلى حالته الطبيعية قبل أن يفسد، ولعل الصون بمفهوم الذود عن الحياض ومنع أي كان من التقرب منه وحمايتها يُعَد عملية سابقة للصيانة يُفترض أن يقوم بها المجتمع تلقائيا عندما يكون في حالته الطبيعية.

أما اليوم وقد أصبح يعيش في حالة غير طبيعية نتيجة ممارسات مُمَنهجة إرادية وغير إرادية تجاهه، فإنه في حاجة إلى الشروع في عملية صيانة كبيرة لحاله قبل أن يستفحل الأمر ويُصبح نسيجه الروحي والاقتصادي والاجتماعي غير قابل للترميم.

إن الخطورة المحدقة بنا في المستقبل ستنطلق من هذا الواقع إذا استمر على حاله، ولن تتمكن السياسات البَعْدية اللاحقة من مواجهته إذا لم نبادر اليوم بعمل كثيف تجاه المكونات الثلاثة، الدين والأرض والعرض، بعيدا عن كل خلاف في وجهات النظر أو تطلعات ضيقة لهذا أو ذاك.

ولعلي أكاد أجزم بأن ما نراه أمامنا اليوم من انعدام الصيانة في مؤسساتنا وشبكاتنا المختلفة من طرق وكهرباء وهاتف ونقل… إلخ، ومن انعدام الصيانة على مستوى مرافقنا وخدماتنا الاجتماعية والثقافية والفنية، ومن انعدام الصيانة لممتلكاتنا المادية وثرواتنا إنما هو في واقع الأمر انعكاس لعدم صيانة الدين والأرض والعرض، باعتبارها العناصر الرئيسة ذات التأثير المباشر في الإنسان عقلا وتفكيرا.

بمعنى آخر، إن التدهور الذي نكاد نراه في أكثر من مستوى ـ من المادة إلى القيم ـ إنما هو دليل على وجود تدهور على مستوى العقل المتأثر بجميع هذه المؤثرات، وعليه ليس أمامنا من حل سوى تبني رؤية مستقبلية بعيدة المدى تعيد الاعتبار إلى العناصر الثلاثة وتمكنها من استعادة صلابتها ومتانتها. ذلك أنه من غير الممكن نجاح أي سياسة في المستقبل مهما كانت القيادة التي تتبناها أو تتولى تنفيذها إذا لم تتكفل بهذه الجوانب التي تعرضت لتدمير كبير في السنوات السابقة.

ولعل هذا يجعلنا نقول إن المشكلة بالدرجة الأولى في الجزائر ليست مشكلة قيادة شخص أو مجموعة أشخاص إنما هي مشكلة رؤية ينبغي أن يتم تبينها من قبل الأمة بجميع مكوناتها من خلال نقاش عميق حول عناصرها ومداها وآجالها ووسائل تنفيذها. ومادمنا لم نختر مثل هذه المنهجية لتناول مسألة التقدم في بلادنا فإننا سنبقى نُراوح مكاننا. ومهما تبدلت الأسماء التي تتوالى على المناصب القيادية أو على مستوى اتخاذ القرارات فإنها لن تستطيع إحداث التغيير المرتقب، بل ستُعمِّق الحال إلى ما هو أسوأ عليها، باعتبار أن التدهور سيستفحل مع كل مرحلة انتقالية تزداد فيها ضبابية رؤية الأشياء وتُصبح الأهداف المرحلية هي سيدة الموقف.

لقد ضاع مِنَّا وقت كبير ونحن نتحرك من غير وجود أهداف بعيدة المدى للدولة، نغرق باستمرار في هذا البرنامج السكني أو ذاك، هذه الخيارات الاقتصادية أو الاجتماعية أو تلك، هذا الوزير الأول أو ذاك، في حين إن المسألة الكلية أشمل من كل هذا… وكان علينا قبل طرح مسألة البرامج والسياسات التنفيذية أن نطرح الأسئلة الأكبر من نوع: ما مصير الدين؟ وما مصير الأرض والعرض؟ إذا رأينا أنها تسير جميعها نحو التدهور نعرف أننا لم نكن نملك من قبل أي سياسة من شأنها أن ترقى إلى المستوى الذي نطمح إليه. والعكس صحيح…

كل الشعوب والأمم إنما قامت أو انهارت إما بسبب الدين أو الصراع على الأرض أو العرض. سبب واحد كان باستمرار كافيا لانهيارها وسقوطها، فما بالك لو اجتمعت أسباب الانهيار جميعها في بلد واحد. أليس ذلك مدعاة للخوف حقا… وكيف لا نخاف؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
11
  • حراس الإيمان؟؟؟

    “لدينا مشكلة هي أننا باستمرار خائفون على الإيمان، كأن ما لدينا هو إيمان معلول يحتاج إلى حماية. الإيمان لا يحتاج إلى حماية لأنه الاقتناع”

  • الدين لله

    لا يا أستاذ لا... الدين لله و حمايته تعود لله.... نحن وظيفتنا عبادة الله و لسنا حراسا على الدين.... و ليس لنا أن نحرس الآراء البالية لأنها ضد سنة الله في خلقه... الدين لله ,... و للناس أن يعبدوا الله و إن عصوا فالحكم لله .... لم يُنصبنا الله دركيين أو شرطة بل عبدة له.... و البسملة تبدأ آيات الله و أقوال الله عز وجل و ليس كلام و أفعال البشر.

  • عبدالقادر

    إن غاب القط العب يافارفمابالكم ان غابت كل القطط عن الدار.اجل هذاهوالجق فغياب دول الاسرةفي التربيةوغياب دورالمسجد في الوعظ والارشاد وغياب لمدرسة في اتمم لتربية والتعليم وغياب الدولةلتوفيرالعدل بين المواطنين وفق الشرع والدستور وفرض احترام القانون فهذه هي احول بلدنا اليوم نفتقد فيهاكل يوم شيءمن اهم اركان المجتمع الدين والاعرض والارض.مايحدث لم يأتي من فراغ ياناس ونظريةالمؤامرةكلمة حق يرادبها باطلاواصبحت شماعة يعلق عليهافشل حكامنا وفساد مجتمعنا وضياع قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا المستمدة من تعاليم ديننا.

  • أسامة

    ذكرتني أستاذ سليم بثلاثية مالك بن نبي في نشوء ونهوض الحضارت (الإنسان و التراب والوقت) أما ما تفضلت به من ثلاثيتك (الدين و الأرض و العرض) فهي أساسيات الحفاظ على تماسك المجتمع وإذا أضفنا لها سريدية كبرى تتجلى في وجود طموح وطني مشترك حتما يكون كبير متل (رؤية الجزائر 2062) بمناسبة مؤوية الإستقلال تكون بمثابة فكرة مركزية يلتف عليها أغلب أفراد المجتمع لدرجة أن يشعر الفرد أن مشاكله الخاصة لا تحل إلا في إطار أشمل ونتخلص من (المهم تخطى راسي).

  • بدون اسم

    أساس الحضارة ..الثقافة...و أساس الثقافة...التربية...و أساس التربية ...الأخلاق...و أساس الأخلاق...الدين...فهو الأساس التي تبنى عليه البقية...فإذا تم تغييب الدين انهارت الأخلاق...فينهار بعده كل شيئ تباعا...
    فهل يمكن أن نبني عمارة أو مسكن من دون أساس؟؟؟ و يريدون تهديم الدين و تحجيم دوره في المجتمع كمن يريد بناء عمارة من دون أساس؟؟؟

  • جزائري

    انا ارى ان المسكرات التي تهدد العقل لاتقل خطورة عما اكتفيت بدكره
    وان كان الامر في نظرك يتعلق بما يهدد بقيام حروب بين الشعوب فقد اعتدت بريطانيا بمؤازرة فرنسية على الصين لاجبارها على السماح بانتشار وتعاطي المخدرات بين الصينيين وكانت الصين منعت دلك فقامت حرب الافيون كما سميت وكان من نتائجها احتلال هونغ كونغ بعد ارتكاب مجازر وحشية من قوات الاحتلال وكان دلك سنة 1839 وقامت حرب افيون ثانية بعد دلك بسنوات مما يدل على ان العقل مستهدف والدفاع عنه لايقل عن الدفاع عن الضروريات التي دكرتها دكتور وبهدا يكون

  • بدون اسم

    الدين وعلاقته بالارض والعرض كل مجتمع له فلسفته في هذا
    بينما الارض هي العرض والعكس صحيح
    وتقريبا كل المجتمعات تعتبر انه لافرق بين الارض والعرض إلا المجتمع العربي
    سلموا اراضيهم ووو تعرفون التفاصيل
    ما اجده غريب
    هو تناول العرب كسليم قلالة لهكذا موضوع هل يدرك واشقاءه ما يقول
    وهل هو يتحدث عن المجتع الامازيغي ام عن مجتمعاته العربية
    لان الامازيغ بقي عليهم فقط ان يطهرون اراضيهم ممن سلموا ارضهم وعرضهم للصهاينة والفرس و..

  • hocheimalhachemihhhh

    لايستقيم الأمر الا بمن يمتلك القوة ، ولم يبقى للتوافق ، التفاهم أي حظ !! ولا نريد ما ألت اليه تجربة تونس التي صارت ثورة وأبطال و..! ما هي الا خرطي في خرطي ، وما محاولة غياب الدولة وتغييب هيبتها الا من صنع "الا من صنع أناس لايريدون خيرا لا للبلاد ولا للعباد ؟! الا لأعراق السفينة بعد استلاؤهم على كل ما أرادوه ...!!! ألا يوجد فيكم رجل مخلص مقدام شريف لينقذ ما أمكن انقاذه من ...!! القوة هي الوسيلة التي لايسترد الحق الا بها ؟! شريطة الأخلاص والعزم هه ( قصدي انقاذ البلاد والعباد من العبث والعبثية

  • بدون اسم

    اصبح المجتمع ينظر الى من يتمسك بالاخلاق انه انسان قديم وغير متفتح وللاسف الكثير من الاولياء تخلو عن تربية اولادهم على الفضيلة بحجة ان الوقت تغير وان نتركهم يعيشون حسب الزمن الذي وصلنا اليه.............بالطبع كل هذا يجعلنا نشعر بالخوف في زمن لم يعد للطيبين فيه مكان.

  • صالح بوقدير

    أم الأزمات
    لايصلح الناس فوضى لاسراة لهم ولاسراة إذا جهالهم سادوا_________أوالاسود الدوألي.
    لايمكن أن تنهض الامة بدون رأس مهما كان حرصهاولا يستقيم لها الامر إلا إذاختارت بكل حريةوشفافيةمن ينوب عنهاويتولى شؤونهاعلى منهاج قويم تحت مراقبتها وهومالم تتمكن الامةمن تحقيقه بسبب الوصايةالتي مورست عليهاوهي راشدة
    إن المدخل لحل أي أزمةمهماكان شكلهايمرحتمابالسياسةفإذاانحلت أزمتهايسهل حل جميع الأزمات الاخرى
    إن صيانة الدين والأرض والعرض من النضام العام تختص به الدولة ممثلةفي السلطةوليس من شأن الافراد ياسليم.

  • قويدر الزدام

    تركيا تعدل المناهج حيث تم اضافة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وحذف سير تاريخ اتاتورك والعلمانية تمهيدا لغرس الهوية الاسلامية وقالوا عنه انه يبكي ملك ال عثمان والدولة العلية وكان قبله احمد نجاد يبكي ملك كسرى واعادة امبراطويية الفرس اما جورج بوش الابن خلال حملته على العراق كان يحمل الكتاب المقدس بيده اليمنى والقنابل وصواريخ ارض جو باليد اليسرى ماهذا بحق السماء والارض والعرض هل هي طبخة سياسية اعتدها امريكا وروسيا واورويا واسرائيل تاكل الطبخة والعرب كالعادة يغسلون الصحون