الرأي

صَرِّف فِعل “نَظَّمَ”

مضى زمن طويل لم أسمع صوت الأخ بوعلام رمضاني، ولم أرَ وجهه، ولم أقرأ له، فهو يبدو أنّه يعيش خارج الجزائر ولا يأتي إلاّ غبًّا.

وقد أسعدني القدر فعشت في الأسبوع الماضي لحظات جميلة مع صوته وقلمه؛ فأما الصوت فكان عبر أمواج الإذاعة الوطنية، حيث استضافه الشاب الناشط عبد الرزاق جلولي في حصته الثقافية، وقد وفق في تحليل واقع الثقافة الفرنسية بمالها وما عليها، بمناسبة حادثتيشارلي ـ إيبدو، ولم يكن منبهرًا بتلك الثقافة كما يفعل بعض قومنا من أصحابالقبعات؛ وأما القلم فقد قرأت له كلمة قصيرة في جريدةالشروق اليومي” (بتاريخ 31 جانفي 2015، ص 24) روى فيها ما رآه رأي العين عنكائنكان ممتطيًا طائرة للخطوط الجوّية الجزائرية متوجّهة تلقاء باريس.

طلب المضيِّف من الركاب أن يطفئوا هواتفهم، وهذا تقليد في جميع الطائرات عندما تطير في جوّ السماء، ويلتزم به جميع المسافرين؛ ولكنكائنًاواحدًا محسوبًا على البشر ـ وما هو بتصرّفه منهم ـ رفض إنفاذ التعليمة، كأنّه ليسابن تسعأو كأنّهعَنْدو شَطْبَهْ زَايدَة، وقد اضطر ـ أخيرًا ـ المسؤولون عن أمن الطائرة إلى إنزاله. ولو أنّ أحدًا فاتحه في سلوكهاللاإنسانيلادَّعَى أنّهمُخّ، وأنّه ليس كأحد من الناس، وربّما كان فمه مملوءا بـالخَبث الجزائريالذي تعافه النفس السوّية النظيفة، وهوالشمّة“.

لقد وددت أن أسأل هذاالكائنإن كان سيتصرّف ذلك التصرّف لو كانت الطائرة فرنسية؟ (معظم الطائرات التي تنزل في مطاراتنا من فرنسا؛ لأنّ الناطقين الرّاء غينًا لا يكادون يعرفون من العالم إلاّ ذلك البلد).

لقد ذكرني هذا الحادث بما رُويَ عن ميصالي الحاج (1898ـ 1974) رئيسحزب الشعب الجزائريوالنجم من قبله، والانتصار من بعده؛ فقد نسب إليه قوله: لو كان لي من الأمر شيء، ولديَّ سلطان على الجزائريين لأَمرت كلّ واحد منهم أن يُصَرِّفَ فعلنَظَّمألف مرّة في الماضي والحاضر والمستقبل، لعلهم يتعلمون شيئا ولو بسيطا من النظام.

وللأسف فإنّ ميصالي ـ رحمه الله ـ كان أَوْلَى من غيره بتصريف ذلك الفعل، إذ خرج في ساعة العسرة عن شعبه، ولم ينضم إليه، ولم ينتظم في صفوفه، وكان سببا في إزهاق آلاف أرواح الجزائريين، ولو انضم إلى أبنائه، ولم تأخذه عزّة الزعامة وغرورها بالإثم لربح نفسه، وربحه شعبه، ووطنه، ولكنأناجنت عليه، وظنّ نفسه ـ كما ظنّ غيره ـ أنّه لم يخلق مثله في البلاد، وأنّه كما جاء في وثيقة مؤتمر الصومامكالديكالذي يظنّ أنّ الشمس تشرق لصياحه، ولولاه لكان الليل علينا سرمدا إلى ما شاء الله.

 

متى ننتظم نحن الجزائريين، إذ لم تسلم من فوضانا أرض، ولا بحر، ولا سماء، بما في ذلك بيوت الله عزّ وجلّ بما فيهاأوّل بيت وضع للناس لَلذي ببكة مباركًا“.

مقالات ذات صلة