ضربُ القدوة إيذانٌ بهدم المجتمع
يقول عالم الاجتماع المفكر الدكتور المهدي المنجرة: (إذا أردت أن تهدم حضارة أمة عليك بتدمير ثلاث ركائز هامة: أولها الأسرة بتغييب دور الأم ربّة البيت وصانعة الأجيال، وثانيها التعليم بالاستهانة بالمعلم وجعله محل سخرية وإذلال، وثالثها القدوة بالطعن في العلماء والأئمة والتشكيك في مصداقيتهم)، وهاهي وسائط التواصل الاجتماعي في هذا الإطار تتناول في غضون شهر جوان من هذه السنة قضية مثيرة شغلت الرأي العام تعلقت باتهام صِحافيّة إمامَ مسجد البدر بحي يحياوي بولاية سطيف الشيخ عمر بن زاوي بالاستيلاء على مبلغ مالي معتبر من التبرعات التي جمعت من المحسنين بالمسجد ذاته استنادا لادعاءات ضيف حصتها الذي كان ينوي -حسب زعمه- معالجة ابنته من مرض عضال.
لن أركز في هذا المقال على تفاصيل القضية بقدر ما سأركز على مناقشة مدى قدسية دور الإمام في المجتمع كقدوة، وكيف تجاوب المجتمع مع هذا التجني على الإمام؟ وماذا يمكن أن نستخلص من عبر ودروس من مثل هذه التجاوزات؟ وكيف السبيل للارتقاء بمؤسساتنا: القنوات الفضائية ومؤسسة المسجد إلى مستوى الاحترافية والمهنية حفاظا على الانسجام بين مؤسسة المسجد والمجتمع؟
الشيخ عمر بن زاوي، 46 عاما، كان يجتهد خلال مسار حياته لأن يخرج من عباءة الإمام النمطي الفاقد للاتصال بالمجتمع، الذي يكتفي بالصلوات الخمس وصلاة الجمعة، وينكفئ على تقديم الدروس المعتادة، ليصنع لنفسه اسما بارزا في نواحي الشرق الجزائري، فبدا في خطبه مرتبطا بالأصل بالمرجعيات الدينية وبالهوية وبالتاريخ ومتصلا بالعصر، وعلى دراية بواقعه وبما يدور من حوله من تحديات وتطورات، وداعيا للحفاظ على مقاصد الشريعة الكلية الستة: الدين والنفس والعقل والنسل والمال والعرض، ومراعاة ميزان الوسطية والاعتدال، وحريصا على مراعاة عمارة الأرض، وقدسية الإنسانية وجمالية الحياة، مما أكسبه مهارة المزج والإضافة لما هو قديم، فتجلى ذلك في سعيه لمعالجة ظاهرة الفقر بالقضاء على مسبباته بدلا من الاكتفاء بتقديم الصدقات، ودعوته لتقليص الجريمة بتجفيف منابع الإجرام، بدلا من الاقتصار على العقاب، والقضاء على نمطية التفكير وتوليد الأفكار الملهمة نقيض الأفكار المرهِقة التي أشار إليها الفيلسوف يوهان هويزنجا في كتابه “خريف العصور الوسطى”، متوخيا خطابا مسجديا معتدلا ومؤثرا يرتكز على ثلاث دعائم: الدعوة لعبادة الله، ونشر الفضيلة، وعمارة الأرض، متناولا من خلاله أهم القضايا المركزية: نشر المحبة والتراحم، ولمّ الشمل، ونبذ الفرقة، ومراعاة برّ الوالدين، وحقوق الجار، والميراث، والحفاظ على المال العام… الخ، فضلا عن التركيز على بناء الإنسان قبل العمران، وإصلاح الكثير من الأحياء التي تعجّ بالمخدرات، ودعوة الشباب للاهتداء وتزويدهم بالمناعة الفكرية الإسلامية، وتنشيط حملات جمع أجهزة الأكسجين للمرضى خلال جائحة كورونا تحت شعار (من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)، والإسهام في بناء برج القرآن بسطيف والمجهَّز بالمخابر وأحدث التكنولوجيات والجاري توسعته ليسع 6000 طالب لتخريج جيل قرآني، واعتزام بناء مصحة رائدة متعددة الاختصاصات، واقتناء العديد من سيارات الإسعاف، وإيقاظ جذوة نصرة القضية الفلسطينية ومساندة المقاومة ودعم شعب غزة المحاصَر.
إن مثل هذه المواقف المشرّفة من شاب مجتهد، والظهور الإعلامي المتميز كإمام مبدع ومجدد في منصبه يطمح بالرقي بالمؤسسة المسجدية إلى أعلى المراقي، وبناء نشء رسالي صالح، تفسر حقيقة مقاصد هذه الهجمة الشرسة التي تعرَّض لها الإمام من ذوي النفوس الجاهلة، وقد كان من الممكن أن تنطلي هذه التمثيلية على الجميع، لولا حفظ الله ولطفه، والوقفة العظيمة التي أبداها سكان ولاية سطيف المجبولون على الشهامة والمروءة، فضلا عن مشاركة ساكنة الولايات الأخرى، إذ كانت مساندة الجميع للإمام في منتهى القوة والروعة عبّروا خلالها على أنهم متمسكون بالدين الإسلامي إلى النخاع، وأن الإمام بالنسبة لهم خطّ أحمر، لاسيما وأن أهالي سطيف قد خبِروا هذا الإمام على مدى سنوات فتأكدوا من معدنه وأصله، وتبيّنوا صدق كلامه وإخلاصه في عمله وسلامة نيته، ولمسوا ميدانيا الأعمال والمنجزات التي أقدم عليها منذ أن وطئت قدماه تلك الولاية المباركة، يقول الله تعالى ممتنا على عباده بجعلهم أئمة يهدون بأمره: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ).
أمرٌ لا يختلف فيه اثنان أن هذه المهزلة لم تكن من قبيل الصدفة، بل من المرجَّح أن تكون مشهدا تمثيليا دُبّر بليل من دون حبكة، كان القصد من ورائه وضع حدّ لشهرة هذا الإمام، فاستحالت المحنة إلى منحة بمشيئة الله تعالى، لكن الإمام برغم ما تعرّض له من ظلم في حقه إلا أنه آثر أن يتأسى بشمائل خير خلق الله محمد رسول الله، فعفا عنهما أمام الملأ ابتغاء مرضاة الله.
هكذا نريد من أئمتنا أن يحذوا حذو الأئمة الكبار أمثال الإمام العزّ بن عبد السلام بائع الأمراء والسلاطين الذي عزل نفسه عن القضاء ورحل عن القاهرة بسبب رفض السلطان نجم الدين أيوب فتواه القاضية بوجوب بيع الأمراء المماليك وعتقهم حتى تنفذ جميع تصرُّفاتهم، ويكونوا أهلا للحكم والإمارة، فما كان من الرعية الواثقة بالإمام والمُجِلّة له إلا أن لحقت به عند خروجه نصرة لموقفه ولفتواه، مما اضطر السلطان إلى التوسل إلى الإمام كي يعود إلى السلطنة ويبيع الأمراء في السوق بالمزايدة، ليتم تحريرهم بعد إيداع المال المدفوع بخزينة مال المسلمين. فضلا عن العالم الشيخ العربي التبسي أمين عام جمعية العلماء المسلمين الذي رفض التفاوض مع فرنسا باسم الشعب الجزائري كبديل عن جبهة التحرير الوطني بهدف تهدئة الثوار والشعب، مما حدا بفرنسا إلى خطفه والتنكيل به مدة طويلة ثم إعدامه بأبشع طريقة، وذلك برميه في قدر من الزيت المغلي إلى حين ذوبان جسده، فلُقّب نتيجة شجاعته وثباته على الحق بالشهيد البطل من دون قبر الملهم لكل الأحرار. وبمثل هذه النماذج أئمة عظام ذوي همم رفيعة حاملون لرسالة سامية مكترثون بهموم المجتمع، ينصلح حال المجتمع وتؤسس الحضارات التي تقوم على التشبُّث بالأصول وبالمرجعيات والتفتُّح على الثقافات الأخرى والإبداع في الإضافة والتجديد.
ركّز الشيخ عمر بن زاوي على إصلاح الكثير من الأحياء التي تعجّ بالمخدرات، ودعوة الشباب للاهتداء وتزويدهم بالمناعة الفكرية الإسلامية، وتنشيط حملات جمع أجهزة الأكسجين للمرضى خلال كورونا تحت شعار (من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)، والإسهام في بناء برج القرآن بسطيف والمجهَّز بالمخابر وأحدث التكنولوجيات والجاري توسعته ليسع 6000 طالب لتخريج جيل قرآني، واعتزام بناء مصحة رائدة متعددة الاختصاصات، واقتناء العديد من سيارات الإسعاف، وإيقاظ جذوة نصرة القضية الفلسطينية ومساندة المقاومة ودعم شعب غزة المحاصَر.
الواقع أن هذه الحادثة على الرغم من فضاعتها، يمكننا أن نستشفّ منها عبرا عديدة أهمها: أن من يدّعي أن الشعب الجزائري قد فقد قِيَمَه واستشعاره للظلم، فهو وَاهِم؛ فها هو يُثبت نصرته للمظلوم بهبّته المتميزة وخروجه بقوة في المساجد وعبر وسائط التواصل الاجتماعي والمداخلات والهاشتغات، مبديا رفضه لما تعرّض له الإمام من جور واستهانة برمز من رموز ديننا الحنيف. كما ثبُت أيضا أن الدين الإسلامي بالنسبة لكافة الشعب الجزائري مرجعية مقدسة لا يجب الاستهانة به نظرا لرسوخ عقيدة الإيمان في الأنفس، علاوة عن وضوح نقاوة سريرة الشعب وصفائها بلفظه لكل الأعمال المستهجنة.
وانطلاقا مما أفرزته هذه الحادثة من مخلفات سلبية وإضرار بإحدى رموز المجتمع، يمكننا اقتراح بعض الحلول التي من خلالها يمكننا تفادي تكرار مثل هذه المهازل، كأن تسعى السلطة في الحال استنادا لقانون رقم 20-23 والمتعلق بالنشاط السمعي البصري، لتفعيل سلطات الضبط لاسيما إخضاع خدمات الاتصال السمعي البصري لدفتر شروط تَمْتَثِلُ من خلاله القنوات الفضائية للقواعد المهنية وآداب وأخلاقيات المهنة، وكذا الامتناع عن بثّ محتويات إشهارية أو إعلامية مضلّلَة، والسهر على احترام كرامة الإنسان، من خلال مراقبة محتوى الحصص والبرامج المعروضة تلفزيونيا، وضرورة التزام المؤسسة الإعلامية لاسيما الفضائيات في بناء وعي جماهيري، وتشكيل ملامح المجتمع، والارتقاء بمنظومة القيم والأخلاق، بما ينسجم مع متطلبات الهوية الإسلامية والعربية ويخدم مصلحة الأمة، والالتزام بتقديم البرامج الهادفة وعدم المسّ بالمرجعيات الإسلامية والرموز الدينية، حفاظا على تماسك المجتمع والنظام العام، فالأجدر على هذه المؤسسة أن تُعْنَى بتوعية الجمهور لاسيما الشباب منهم بواقع أزمة البلاد والتحديات المطروحة، وعرض البدائل المناسبة لتجاوز المعضلة، بدلا من عرض برامج سطحية تشغل بال الشباب بالملهيات والتفاهات والمياعة والشعوذة… فينتج لنا بذلك جيلٌ هزيل أجوف سطحي معدوم الإرادة مثبط العزيمة لا يحمل فكرا ولا رسالة ولا تصوُّرا واضحا عن حاضره ومستقبله.
إلى جانب تثمين استصدار قانون 24-06 المتمِّم والمعدِّل لقانون العقوبات الذي رفع من عقوبات الاعتداء على الأئمة، يستوجب إخضاع المساجد مستقبلا لنظام قانوني مرن يؤطر عملية جمع التبرعات المرخصة، واستحداث لجنة تضمّ أطباء مختصين يتكفلون بدراسة الملف الطبي ويبتّون في قابلية المرض للعلاج من عدمه مع تقدير قيمة العلاج، واستحداث الفصل بين العون القابض والمراقب المالي لصندوق التبرعات لإضفاء الشفافية اللازمة، وتكريس لامركزية التسيير في اتخاد القرار، حفاظا على سمعة المؤسسة المسجدية، علاوة عن حتمية انتقاء من هو أهل للالتحاق بمهمة الإمام من حيث الرغبة والكفاءة، وتحسين المستوى المعيشي للأئمة لترغيب الكفاءات والنوابغ، وتكوين هذه الطائفة والارتقاء بها إلى مراتب التجديد والإبداع، لأداء رسالة الإمامة بحقها وبناء مجتمع مدني متحضر مُحَصَّن من كل الآفات.
بناء على ما تقدّم يمكننا أن نخلص إلى أن هذه الحادثة كانت كفيلة بتعرية الكثير من مواطن الضعف ببعض هياكل الدولة ومؤسساتها ما يستدعي تكثيف الجهود من أجل الرقي بها إلى مستوى الاحترافية العالية والمهنية المنتظرة، سواء تعلق الأمر بالقنوات الإعلامية التي ينبغي عليها التقيد بميثاق أخلاقيات المهنة بهدف تقديم برامج تسهم في تنوير العقول وبناء الفكر المجتمعي، أو مؤسسة الشؤون الدينية التي يقتضي منها ضبط برامج لمرافقة الأئمة في نشاطاتهم، تجنُّبا لكل الأخطاء المحتملة، وحمايتهم من الاعتداءات الممكنة، وتبني منهجية تقارير تحليلية دورية لتقييم الوضع العامّ لكل المساجد، والتدخل لمعالجة الخلل في حينه، وبهذا النحو تكون مؤسسات الدولة قد تخطت مرحلة التسيير الشعبوي وبيروقراطية الإدارة لبلوغ مراكز الأداء الاحترافي والنوعي إذ تُمَجّدُ الحقوق والحريات وتبرز الفضاءات والفرص الملائمة لتفتق المواهب وبروز المهارات في أطر مدروسة فيستقيم بذلك حال الأمة.
يقول الفيلسوف محمد إقبال: (الجمود على القديم ضارّ في الدين كما هو ضارٌّ في أي ناحية أخرى من النشاط الإنساني؛ فهو يقضي على حرية الذات المبدعة ويسدّ المنافع الجديدة للإقدام الروحاني).