طاب جناني !
الكلمات والرسائل المشفرة التي أطلقها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، في ذكرى مجازر 8 ماي 45، وقبل ساعات فقط من تشريعيات العاشر ماي، فهمها كل طرف حسب أحلامه وأوهامه وأطماعه وحساباته وميولاته وانتماءاته، وحتى إن أبقى الرئيس الغموض والإبهام في عدد من القضايا، إلاّ أنه قالها بصريح العبارة وبالفمّ المليان: “جيلي طاب جنانو ولا يكلف الله نفسا إلاّ وسعها”.
بوتفليقة قال أيضا من سطيف: عهد الشرعية الثورية انتهى، داعيا الشباب إلى استلام المشعل، وهنا من الضروري عدم رسم علامات استفهام، وتهويل التصريحات “حسب المصلحة”، وإنـّما ينبغي القول بكل جدارة وثقة: أن جيل الاستقلال من جيل الثورة، ولا يُمكن لجيل الاستقلال أن لا يكون قادرا على استلام المشعل من جيل الثورة! نعم، ذاك الشبل من ذاك الأسد، وبالتالي لا خوف على الجزائر إن سلـّم جيل الثورة المشعل لجيل الاستقلال، بل من الضروري إنجاح “الاستمرارية” بأيادي “التغيير”، وبطريقة مدروسة ومستقلة وسيادية واحترافية ووطنية، بعيدا عن العقد التي قد تفرّق بين جيل الثورة وجيل الاستقلال، اللذان يبقيان الجسر المتين الذي يربط بين التاريخ والمستقبل. من الطبيعي أن “يطيب جنان” هؤلاء أو أولئك، والأهم في المهمّ، أن يسلم المشعل من الضياع والتضييع، سواء كان بين أيدي جيل الثورة أو جيل الاستقلال فلا ينبغي لجيل الثورة أن يحتكر الشرعية الثورية لـ”تأميم” الرأي والمناصب والمسؤوليات وتسيير مفاصل الحكم ودواليب الدولة، مثلما لا يجب على جيل الاستقلال أن يفرّط في مكاسب جيل الثورة وأولها الحفاظ على وحدة الأمة وسيادتها وأمنها واستقرارها واستقلالها. نعم، من البديهي أن يتسلم الشباب المهمة من الشيّاب، فهذه سنة الله في خلقه، قبل أن تكون ممارسة ديمقراطية وفعلا انتخابيا يرفع شعار التداول السلمي على السلطة، لكن من الأفيد لجيل الاستقلال أن لا يكرّر ما يعتبره البعض “أخطاء وخطايا” جيل الثورة، فلا يُمارس “الحقرة” على هؤلاء سواء باسم “الانتقام” وتصفية الحسابات، وإمّا بدعوى أن اللاحق يلعن السابق!
ومع ذلك، فإن جيل الثورة كمصطلح يجب تفسيره بحياد، مثلما يتطلب مفهوم جيل الاستقلال، توضيحا هو الآخر بكلّ حيادية، حتى لا تختلط المفاهيم وتؤوّل بطرق تفتح أبواب الصراع والتدافع، كما من الأفيد أن لا يحجر جيل الاستقلال على جيل الثورة، بحجة أنه “خرف وجوّز وقتو وما يلزمش يطمع في وقت غيرو”، تماما مثلما لا ينبغي على جيل الثورة أن يحتكر المشعل ولا يسلمه لجيل الاستقلال بدعوى أنه “ما يعرفش صلاحو ومازال يرضع في صباعو!” الأفيد للجيلين أن يقبلا ببعضهما البعض مثلما خلقهما الله، وأن يتحالفا ويبتعدا عن إقصاء بعضهما البعض، وأن لا يُعاقبا نفسيهما بمعاقبة بعضهما البعض وعدم احترام وتقدير بعضهما البعض، وعندها لا جيل الثورة سيطمع في وقت جيل الاستقلال، ولا جيل الاستقلال سيرث جيل الثورة بالحياء!
إن تاريخ العاشر ماي 2012، مهما كانت النتائج ومهما كانت نسبة المشاركة، ومهما كان الفائز والخاسر، ومهما كانت الإرادة الشعبية وكلمة الصندوق، فإن العبرة في النتائج والحصيلة، وفي “التغيير” الهادئ والهادف والعادل، الذي تنتظره الأغلبية الساحقة والمسحوقة، وعندها سيتحقق التصالح والمصالح بين جيل الثورة وجيل الاستقلال، اللذان لن يفرّطا في الجزائر اليوم.. وإلى الأبد.