طفح الكيل
هارون، إبراهيم، ياسر، شيماء، ياسين، و.. و.. وتبقى قائمة ضحايا الاختطاف المصحوب بالاغتصاب والقتل طويلة ومفتوحة، فالجريمة في تواتر جنوني، انتقلت من خانة الأعمال الفردية والمرضية إلى ظاهرة إجرامية خطيرة طالت كل أنحاء الوطن، ونخشى أن نصل يوما إلى الأخذ بمقولة إذا عمت المصيبة هانت، ويصبح الرعب والفزع من محيط المنزل وفضاءات المدرسة والشارع ألما جديدا يلتحق بيومياتنا المفجوعة بروائح المخدرات والفساد والرشوة، والمخططات العمرانية العبثية، للتخفيف من آهاتنا وأوجاعنا في ظل تراجع الوازع الديني و”عنفوان” الردع القانوني والاجتماعي.
المتغير في حالة هارون وإبراهيم، أنها كانت صادمة وصارخة وقاسية جدا، لا تتحملها إنسانية الإنسان، ولا حتى أفلام هوليوود، لم ينفع معها استجداء واستعطاف الأهل ولا تأوهات الأمهات المكلومات في أكبادهن، طفلان خرجا للعب في يوم عطلة عادا جثتين هامدتين في كيسين بلاستيكيين، كما لم تكن قضية ابتزاز لدفع فدية، أو تصفية حسابات، أو اغتصاب، ما جعل من فرضية سرقة الأعضاء والاتجار احتمالا واردا، في انتظار تقرير مصلحة الطب الشرعي، التي تلقت الجثتين وهما داخل الكيسين، رغم أن الأخبار أكدت أن المختطفين قتلا ذبحا، خاصة وأن الجناة يكونون قد استغلوا قلة الحركة لتنفيذ جريمتهم مساء السبت الماضي، لأن يوم الجريمة يوم عطلة، ويوم مقابلة فاصلة لفريق شباب قسنطينة.
جريمة مدينة علي منجلي البشعة، تؤكد هشاشة التوسعات العمرانية، والمدن الجديدة، التي جعلت من المنازل مراقد عمومية حقيقية، ومن المدارس والإدارات العمومية أقفاصا ودهليز بشرية، تخلو من بواعث الحياة والإبداع، ومن لم يقتنع فليعد إلى المرافق المبنية في فترة الاستعمار وفق معايير هندسية ونفسية مدروسة تغري الداخل إليها ولا تنفره، فتجمعاتنا ومدننا بلا ورح أو هوية، لا مرافق خدماتية، لا مؤسسات تربوية، لا مساجد، لا مراكز ثقافية أو شبانية، لا نقل، لا مصالح أمن، لا.. لا.. وهو الهم الذي سيستهلك جهد ومال الوزارة المنتدبة للمدينة، هي مجرد تجمعات أو محتشدات بشرية ضمت “بشرا” مرحلين من أكواخ قصدير وطوب ومنازل هشة، ليتركوا هناك في محيطهم الجديد مهملين دون تأطير أو توجيه.
جريمة علي منجلي، وسابقاتها، تعبير صارخ عن مدى تراجع قيم المنظومة الاجتماعية والدينية والقانونية للمجتمع تحت وطأة الجري واللهث وراء الهموم والانشغالات اليومية التي لا تنتهي، انقلب معها الكثير من مشاهد التماسك والتعاضد إلى أنانيات مفرطة وصدام و”تناطح” دام، تكون فيها الطبيعة الحيوانية هي السائدة والسيدة، تهدد تماسك أفراد المجتمع وتنخر أمن واستقرار البلاد في الصميم، وما إحصاء 204 حالة إبعاد واختطاف، سنة 2012، إلى جانب حجز 160 طن مخدرات، وأكثر من 182 كلغ كوكايين و61 كلغ هيروين، إلا مؤشر على حقيقة التهديد الذي يستهدف روح المجتمع وعنفوان شبابه.
شناعة الجريمة وبشاعتها، جعلت من تفعيل آليات المجتمع المدني وتجديد الخطاب المسجدي وتشديد النظام العقابي أمرا حيويا ومستعجلا، وأكدت أن إضفاء الطابع الردعي في قضايا القتل، الاختطاف، الاغتصاب، المخدرات، الفساد، الإرهاب والخيانة العظمى، التي تتجاوز مفهوم الجريمة العادية محدودة الأثر، ويمكن أن تأخذ طابع الجريمة المنظمة، بمفهومها الواسع، من خلال تشديد العقوبات وإعادة تطبيق أحكام الإعدام والقصاص ضرورة قصوى، ولم لا إخراج تطبيقاته من فضاءات السجون والمحاكم إلى الفضاءات العمومية المؤطرة، ومنها بعث مقصلة الخروبة، والشنق أمام الملأ، ليعتبر من يعتبر.