طوفان الأقصى والقضية الفلسطينية بعد مرور عام؟!
كانت الرياح قبل عملية طوفان الأقصى تجري بما تشتهي سفن السياسة الإسرائيلية في المنطقة، وكانت مدعومة كليّا بالسياسة الأمريكية، المهيمنة على المنطقة بشكل شبه كامل، وقد كانت أيضا دون أي هوامش للسياسة العربية التي تدور في فلكها، ودون أيّ اعتبار لها حتى اعتبار حفظ مياه الوجه أمام شعوبها قد أذابته سياساتها المتماهية مع سياسة الاحتلال الصهيوني. لم يعد هناك صوت للمشروع العربي للسلام، الذي كان يطالب، حياء، بحلّ القضية الفلسطينية، تلاشى، أمام عجلات قطار التطبيع، الذي أصبح صوت صفّارته فوق صوت الجميع.
طبعت دول معروفة وأقامت علاقاتها الدبلوماسية والتجاريّة وأمعنت بإعطاء قداسة دينية استظلّت بها بما سموه الديانة الإبراهيمية الجامعة للديانات الثلاث، ووصل القطار إلى أعتاب المملكة العربية السعوديّة، التي كان بتطبيعها ستتهافت دول كثيرة عربية وإسلامية، على هذا المسار، الذي يجعل السيادة لدولة الاحتلال ويحلّ عليها النعيم المقيم والاستثمار والرخاء، وحلّ عقدة العيش في وسط معادي والتحوّل إلى هذا الانسجام الجميل دون أي استحقاقات للقضية الفلسطينية أو تعديل الوضع القائم للمظلومية الفلسطينية التي ذهبت فيها كل حلول عادلة أو حتى غير عادلة أدراج الرياح.
جاء طوفان الأقصى ليكسر شرائع سفنهم ويخرج قطار التطبيع عن سكّته، لم يكن مجرّد عبور الحدود وتحطيم أسطورة الأمن وجبروت القوّة والعتاد، بل حمل القضية الفلسطينية من عالم النسيان ووضعها على محكّ هذه التحوّلات وحفر لها من جديد في الزمان والمكان، كان عبورا عظيما قويّا كاسحا للقضيّة الفلسطينية لتعود لها الصدارة والأولوية ولتطرق على كلّ أبواب العالم ولتقول بقول فصيح: هناك شعب محتل، هناك احتلال يسلبه حقوقه المشروعة والمنصوص عليها دوليّا، ودار صراع بين روايتين: رواية مشروع الاحتلال الذي يريد أن يبدأ الحكاية من يوم الطوفان وما جرى في ذلك اليوم من قبل حماس، ورواية فلسطينية تضع اليد على بداية القضية ومسبّبات هذا الطوفان.
وانقسم العالم بين الروايتين، حيث أضحت الولايات المتحدة ومجموعة دول أوروبية هي التي مارست الاستعمار وما زالت تمارسه بطرق متعددة، وهي راعية المشروع الصهيوني بعقدتها الصليبية المسيحانية العنصرية الحاقدة، طوفان الأقصى كشف الوجه الحقيقي لهذا الغرب المتحالف مع المشروع الصهيوني وكشف منظومة القيم الإنسانية الكاذبة والكيل بمكيالين والانحياز التام بالمال والسلاح والموقف السياسي وتبني روايتهم بكل حذافيرها.
أمّا بقية العالم، فقد أصبحت فلسطين والقضية الفلسطينية بروايتها الصحيحة حاضرة بقوّة، وفقدت دولة الاحتلال بذلك رواية الضحيّة التي تستعطف بها العالم، بل أصبحت صورتها صورة الذي يقوم بحرب الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني.
وبعد مرور سنة، بإمكاننا رصد ما فقدته دولة الاحتلال في هذا العدوان المتوحّش على قطاع غزة والفلسطينيين بشكل عام في الضفّة:
– هي أرادت أن ترمّم الردع الذي كسره الطوفان وضربه في العمق، بعد مرور عام وهي لم تصل إلى الأهداف التي حدّدتها في حرب ضروس استخدمت كلّ ما تملك من قوّة ومدعومة من بالولايات المتحدة الأمريكية وعدة دول غربية (ألمانيا وبريطانيا وفرنسا ودول أخرى تمدّها بالسلاح) ومع هذا لم تتمكّن من إنجاز نصر حاسم على مقاومة فلسطينية محاصرة ومحدودة القدرات والإمكانيات، بل وصلت إلى المراوحة في ذات المكان، لم تفلح إلا في قتل الأطفال والنساء والتدمير وضرب المدارس والمستشفيات والكنائس وخيام النازحين، وفتحت عليها عدة جبهات حزب الله في لبنان وأنصار الله في اليمن والضفة والحشد الشعبي في العراق، لقد كان الردع خلال العالم في حالة من التراجع والتآكل وبعد مرور عام انتهى الردع ومع دخول مواجهات واسعة على جبهة الشمال في لبنان دون التوصل لأي حلّ لا بإعادته إلى شمال الليطاني، كما كانت تريد ولا بإرجاع المستوطنين النازحين من الشمال ولا بتفكيك جبهة المساندة، وكف حزب الله عن مساندة غزّة. كلّ ذلك، يثبت أن ادّعاء الردع الذي كانت تتبجّح به قد انتهى وذهب إلى غير رجعة.
– خسر المشروع الصهيوني صورته الحضارية التي كان يدّعيها وأنه واحة الديمقراطية في المنطقة وأنه الأجدر بتمثيل حقوق الإنسان التي يقيمها الغرب بأبهى صورها في الحضارة الإنسانيّة، وأنه الوكيل الوحيد لهذه القيم الغربية في منطقة متوحّشة ومتخلّفة ولا حظّ لها من هذه القيم. هذا العدوان وهذه المجازر أثبتت بأنه الأسوأ أخلاقا وقيما ولا حظّ له فيها، وتصدير صورة حضارية إنسانية مشرقة هي من أسس نجاح الدول وبقاء الحكم على قواعد الحق والعدل، لقد خسر كل ّهذا ونجح نجاحا مبهرا في تصدير أسوأ صورة تصنعها مجموعة بشرية لنفسها في هذا العصر.
– خسر المشروع الصهيوني قدرته على إيجاد مكان للهجرة اليهودية يتوّفر فيه الأمن والاستقرار والرفاه والاستثمار، ضاعت هذه البيئة وتبدّلت إلى العكس تماما مما يشجع الهجرة المعاكسة وهجرة رؤوس الأموال المستثمرة، ولا يخفى ذلك ما له من مردود سلبي على اقتصادهم وحياتهم الاجتماعية وبنيتهم النفسية.
– وهذا يقودنا إلى الحرب النفسية التي شكّلها الطوفان سواء كان ذلك بضربته الأولى أم باستمرار حالة الاستنزاف النفسي، الناتجة عن عدم توفّر القدرة على إيجاد النصر الحاسم، وبقاء التهديدات في الجنوب والشمال، ما يزيد من حالة التوتّر والقلق وإمكانيات الهزيمة النفسية.
– بداية تصدّع في الجبهة المساندة للمشروع الصهيوني عالميا وحتى في المعسكر الداعم تقليديا خاصة ما شهدته الجامعات الأمريكية والأوروبية في إدانة حرب الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني. وما تبع ذلك من دعوات مقاطعة الجامعات لأي تعاون مع الجامعات العبرية. وكذلك دعوات المقاطعة ليس فقط لمنتجات دولة الاحتلال بل لكل الدول الداعمة لهذا الاحتلال وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا.
– ما شكّلته إدانة محكمة العدل الدولية ودعوة محكمة الجنايات وجرائمهم التي انتشرت عالميا بحيث أصبحوا محطّ احتقار واشمئزاز لما ارتكبتهم أيديهم بحق الشعب الفلسطيني، هذا كلّه أدّى إلى تحوّلهم إلى وصمة عار في جبين البشريّة. هذا له ما له من تداعيات مستقبلية ممكن البناء عليها.
وهناك نقاط كثيرة ممكن الحديث فيها في مجال ما خسره المشروع الصهيوني خلال هذا العام ولكن في مقالة عاجلة نكتفي بهذه النقاط، للعودة ثانية في إمكانيّات البناء على هذا الأمر تراكميّا وكي نصل إلى سيناريوهات العمل لاستمرار الاستنزاف لهذا المشروع على جميع الصعد، فبالإضافة للاستنزاف العسكري في الوضع المقاوم الذي أصبح قائما على امتداد محور المقاومة، سواء كان ذلك مفتوحا أم مساندة، فإن الأمر يتطلّب أيضا في معركة الوعي كي تستمر ثقافة المقاومة في عطائها وإمداد جبهات المقاومة في العناصر القادرة على الالتحاق والتضحية والعمل بكل متطلبات المعركة.
ولا بدّ من الانتباه لما فتحه الطوفان في معركة الوعي للاستمرار والمزيد من تعزيز ثقافة المقاومة وإدراك حقيقة التحدّي، واضح أن المنطقة كانت تساق إلى ثقافة القطيع والسير في ركب التطبيع، فجاء الطوفان ليقلب الطاولة على هذه الثقافة، بات المشروع الصهيوني أحد أركان ثلاثة تعزّز سلب العالم العربي من سيادته وكرامته وحريّته والقدرة على تحقيق ذاته وهويته الثقافية الأصيلة، أما الركنان الآخران، فهما الهيمنة الأمريكية والنظام الغربي.
هذه الأركان الثلاثة التي ضربت المقاومة جدران خزانهما بقوّة في العقل العربي، لذلك، فإن من أهم إنجازات طوفان الأقصى، الذي اتضحت معالمه بشكل واضح بعد عام على مروره هو هذا التحدي الكبير أمام نهضة الأمّة وتحرّرها، فلم تعد المسألة فقط فلسطينيّة أو محور مقاوم يمتد من اليمن جنوبا إلى لبنان شمالا، بل هو تحدّي أمّة وضرورة خلاصها من مركب تخلفّها وظهورها مكشوفة كمستعمرة للهيمنة الأمريكية والصهيونية وأن ما كان يعدّ إليها مما كان يسمّى ديانة ابراهيمية ما هو إلا إحكام السيطرة عليها، وبالتالي، تعود القضية الفلسطينية كقضية مركزية للأمة، منها وإليها تكون البداية والانطلاق للتغيير الحقيقي الذي يخرج الأمّة من هذه الهيمنة الغاشمة، وهذا الاستعمار الخبيث، إلى حيث تحرّرها وفكّ عقدتها. لقد بات طوفان الأقصى بعد عام عنوانا حاسما وقاطعا لتحقيق التحرر التام من هذه الأصنام الثلاثة: المشروع الصهيوني والهيمنة الأمريكية والنظام العربي المطبّع الفاسد.