ظاهرة التحطيم الذاتي عند الجزائري.. ما تفسيرها؟!
من الظواهر الغريبة التي أصبحت جزءا من واقعنا النفسي والاجتماعي ظاهرة تجريح الذات عند الكثير من الجزائريين، نلمس ذلك بوضوح في النزوع القوي إلى التحطيم؛ تحطيم المعاني والرموز والأشخاص والهيئات والمؤسسات وغيرها؛ فلا شيء يدعو إلى الرضى أو يبعث على الافتخار والاعتزاز.
مامن شك في أن رصد حركة مجتمع شاب طموح زاخر بالحياة كالمجتمع الجزائري، بعد الأزمة العنيفة المتعددة الأبعاد التي عاناها يتطلب تظافر جهود باحثين مختصين من أجل تحليل ما أفرزته تلك الأزمة والوقوف على مدى تأثيرها في الواقع بمختلف أبعاده؛ لأن النظرة العجلى التجزيئية قد توقع صاحبها في الخطأ عندما يحكم على هذا الواقع بالصحة أو المرض، بالاستقامة أو الانحراف.
فهل يكفي – بخصوص ظاهرة التحطيم هذه – أن نقول إنها من إفرازات تلك الأزمة التي هزت الثقة في كل شيء وزرعت الشك في كل شيء.
فإذا كان الحديث عن المدرسة الجزائرية، تُضخّم السلبيات والعثرات وتُلقى عليها كل التبعات وتُغفل جهود سنين رفعت خلالها هذه المدرسة تحديات وحققت نتائج وانتصارات.
وإذا كان الحديث عن الطب تضطرب الموازين والمقاييس وتصبح الأزمةالظرفية في الإمكانات المادية – مثلا – عنوانا لضعف المستوى والكفاءة العلمية ولقلة الخبرة وننسى أن عددا كبيرا من الأطباء الجزائريين المتخصصين يعملون في أرقى مستشفيات أوروبا وأمريكا ويحظون فيها بكل تقدير واحترام بفضل كفاءاتهم العلمية الراقية اضطرتهم إلى الهجرة أسباب لا علاقة لها بالمستوى العلمي زو الخبرة والكفاءة!
ونجد هذا الحكم الجائر نفسه هو الصادر في حق غيرهما من دون استثناء، وإنما اخترت المعلم والطبيب كمثالين لضحايا هذه النزعة المحمومة إلى التحطيم لأن المربي والبيب هما اللذان يودع فيهما المجتمع أرقى ما يعتز به من قيم التكريم والتقدير، قال الشاعر:
إن المعلم والطبيب كليهما لا ينفعان إذا هما لم يكرما
فاقنع بدائك أن جفوت طبيبه واقنع بجهلك إن جفوت معلما.
فإلى أي مدى يمكن أن نقول في تفسير هذه الظاهرة إنها رد فعل سلبي جاء بعد الصحوة من تلك النشوة التي سرت في كياننا منذ سنين، عشناها – معنويا – على الأمجاد التي صنعها شهداؤنا الأبرار، وعشناها – ماديا – على ثروة البترول، دون أن نضيف إلى تلك الأمجاد وإلى تلك الثروة رصيدا معتبرا.
فهي نوع من العودة اللاواعية إلى الذات لمحاسبتها من دون رأفة على تقصيرها وما تسبب فيه من خيبة ومن إحباط.
كل ذلك بعد أن نبهت تلك الأزمة إلى أننا خططنا بطموح للنهوض بكل مجال لكننا أغفلنا الأساس الذي يتوقف عليه نجاح أي مخطط أو مشروع مهما يكن محكما وطموحا ألا وهو الإنسان.
هذه الحقيقة الكبيرة أو هذه القاعدة الكلية التي غفلنا نحن عنها هي اليوم عند غيرنا من المسلّمات! إن الجملة التي صدر بها “ثيودور شولز” صاحب جائزة نوبل في الاقتصاد رسالته هي “الإنسان هو رأس المال الحقيقي“.
والإنسان إنما هو عقيدة يستمد منها منظومة قيم هي التي تشكل ذهنيته وتركيبته النفسية وتوجه سلوكه..
ومن المحزن حقا أن ينتبه غيرنا من المجتمعات إلى هذه الحقيقة وتنشئ أجيالها على تمجيد القيم التي بها تحقق كل شروط المناعة والقوة والتفوق والريادة؛ ولنأخذ مثالا واحدا لهذه القيم وليكن مما له ارتباط بالرصيد المادي الذي لم نضفه إلى ثروة البترول ألا وهو “العمل“.
قال “ماوتسي توزنغ” وهو يعبر عن إيمانه بالإنسان العامل ويصوره في قالب أصبح شعارا بل عقيدة يؤمن بما اتباعه “كيف يخشي الفقر من يولد بفم واحد ويدين اثنتين؟!”
قلت من المحزن أن يتفطن غيرنا من المجتمعات لهذه الحقائق والقواعد والكليات، وهي التي لاتؤمن بغير الفكر الوضعي للإنسان مصدرا للقيم، ونغفل عنها نحن الذين ننتمي إلى أمة القرآن الذ يعلمنا أن العمل ليس حقا أو واجبا أوعبادة فحسب، بل هو أكثر من ذلك كله، إنه علقة الخلق وسبب الوجود، قال تعالى “الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا“!