الرأي

عاقبة وعقوبة الاعتداء على حقوق الآخرين

سلطان بركاني
  • 3616
  • 1
ح.م

الدّنيا حلوة خضرة، لكنّ الإنسان مهما جرّب من مُتعها ولذّاتها، ومهما جمع فيها من أموال وبنى من دور وأعلى من طوابق واقتنى من مراكب، فإنّه لن يجد أهنأ لروحه وأسعد لقلبه وأريح لباله، من أن ينظّم وقته ويرتّب حياته ويستقيم على طاعة الله.. لن يجد أشرح لصدره من أن يحافظ على صلاته، ويعطّر أوقاته بتلاوة كتاب ربّه، ويرطّب لسانه بالذّكر والاستغفار والصّلاة على النبيّ المختار، ويحرص على لقمة الحلال، ويمسك لسانه ويده عن أذية النّاس من حوله ويكبح جماح نفسه عن أخذ حقوقهم؛ يُنقص من حقّه إن اقتضى الأمر، ويَرجع خطوات إلى الوراء إن استدعى الموقف، حتّى لا تقع يده على شيء مهما كان يسيرا من حقوق الآخرين.

على هذه السّيرة عاش الصّالحون من عباد الله؛ فلم يكونوا يتنافسون فيمن يحوز ويأخذ أكثر، بل يتنافسون في أيّهم يسبق إلى التنازل ليأخذ العوض والجزاء الأوفى عند الله.. في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: “اشترى رجل من رجل عقارا له، فوجد الرّجل الذي اشترى العقار في عقاره جرّةً فيها ذهبٌ، فقال للبائع: خذ ذهبك منّي، إنّما اشتريت منك الأرض، ولم أبتع منك الذّهب، وقال الذي له الأرض: إِنّما بعتك الأرض وما فيها، فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولدٌ؟ قال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جاريةٌ، قال: أنكحوا الغلامَ الجاريةَ وأنفقوا عليهما منه وتصدّقا”.

هكذا أصبح شعار “اقفز تعيش” مبدأ حياة!

لك -أخي القارئ- أن تتأمّل الموقف السّابق، وتقارن به ما عليه واقعنا في هذا الزّمان؛ يوم أصبح شعارنا، إلا من رحم الله منّا: “اقْفَزْ تعيش”! “ازرب قبل ما يطفّروها فيك”، وأضحى القريب ينازع قريبه ويجرّه إلى المحاكم ويعاديه، وربّما يشهر في وجهه الأسلحة البيضاء، ويصل الأمر إلى إزهاق الأرواح، بسبب أمتار من الأرض، تنازعا فيها، هذا يقول: أنا صاحب الحقّ، والآخر يقول: الحقّ كلّه لي! لا أحد منهما يفكّر في ما عند الله، أو يتذكّر أنّ هذه الدّنيا فانية، وأنّه عمّا قريب يرحل ولا يأخذ معه من الأرض مترا ولا شبرا واحدا.. ينازع الجار جاره لأجل أمتار معدودة بين سكنيهما، وتصل الأمور بينهما إلى السّباب واللّعان والخصام والمحاكم.. تجد كلّ واحد منهما يملك ما يكفيه ويكفي أبناءه ويزيد، لكنّهما يتنازعان لأجل ثلاثة أمتار أو أربعة بينهما، كلّ منهما يريد أن يأخذها.. هذا يبني شرفة في مقابل بيت جاره، وذاك يفتح نافذة في مواجهته، وفي كلّ مرّة يقترب كلّ واحد منهما من الآخر… كأنّنا سنخلد في البيوت التي نبني وفي الأراضي التي نحوز! تجد رجلا مسلما يشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدا رسول الله، ويعلم أنّ الموت حقّ، ويؤمن بالقيامة والحساب والجنّة والنّار، وتراه يصلّي ويرتاد بيوت الله ويصوم ويحجّ ويعتمر، لكنّه عندما يتعلّق الأمر بالأراضي والأموال والعقارات، تجده إنسانا آخر؛ نفسه لا تقنع ولا تشبع ولا تعرف حراما من حلال. يشتري أرضا محدّدة بحدود، يبني عليها بيتا، ثمّ ما يلبث أن تراه يتوسّع شرقا وغربا ليحوز أمتارا من هنا وأخرى من هناك. يحاصر جيرانه ويحجب عنهم الضّوء والهواء، وربّما لا يكتفي بذلك حتى تغريه نفسه بالزّحف على الطّريق، فيتقدّم فيه شيئا فشيئا حتى يضيّقه أو يقطعه على النّاس.. كأنّه ما سمع في حياته الوعيد الشّديد الوارد في حقّ من يؤذي جيرانه ويضيّق عليهم، وفي حقّ من يقطع الطّريق على الناس.

لا صلاة لمن ضيّق منزلا أو قطع طريقا

عن معاذ بن أنس الجهنيّ رضي الله عنه، قال: “غزوت مع نبيّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- غزوة، فضيّق النّاس المنازل، وقطعوا الطّرِيق، فبعث نبيّ اللَّه -صلى الله عليه وسلم- منادياً ينادي في النّاس أنّ من ضيّق منزلا أو قطع طريقا فلا جهاد له”.. ولعلّه يصحّ أن يقاس على هذا الحديث أنّ من ضيّق منزلا على جاره، أو قطع طريقا على عباد الله، فلا صلاة له!.. ليت مثل هذا الوعيد يقرع سمع من ضيّق على جاره وأحرجه، ومن سخّر ماله ومعارفه واشترى شهود الزّور ليأخذ ما ليس له به حقّ ويستطيل على جاره ويحوّل حياته إلى جحيم، يقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: “لا يدخل الجنّة من لا يأمن جارُه بوائقَه” (رواه مسلم)، ويقول: “أوّلُ خصمين يوم القيامة جاران” (رواه أحمد)، ويقول أيضا: “كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة، يقول: يا ربّ هذا أغلق بابه دوني فمنع معروفه”؛ هذا في حقّ من لا يهتمّ بحاجة جاره ويمنع عنه معروفه ويبيت شبعان وجاره جائع، كيف بمن يؤذي جاره ويضيّق عليه وربّما ينتهك حرمته؟! كيف لو كان هذا الجار قريبا؟!

“من ضيّق منزلا أو قطع طريقا فلا جهاد له”؛ ليت هذا الحديث بمعناه الشّامل يطرق سمع السّائق الذي يركن سيارته على الرّصيف، فيقطعه على المارّة، وذلك التّاجر الذي يؤذي إخوانه التجار في جواره، فيضيّق عليهم في محلاتهم ويحجب سلعهم عن المارّة، وذلك التّاجر أو صاحب المقهى الذي يستولي على الرّصيف فيقطعه على عباد الله؛ يُخرج سلعته خارج محلّه ويقطع الرصيف على الرّاجلين الذين لا يجدون بُدا من السّير في الطّرقات، ما يؤدّي إلى وقوع حوادث في بعض الأحيان، بل إنّ بعض التجار الذين بلغ بهم الجشع مداه، لا يكتفي الواحد منهم بالاستيلاء على الرّصيف حتى تمتدّ يده إلى الطّريق، فيضع فيها الصّناديق والعوائق ليمنع سائقي السيارات من ركن سياراتهم أمام محلّه، وكأنّ الرّصيف والطريق أصبحا ملكا له! وهو السّلوك الذي لا نراه في بلاد الكفار الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ونراه في بلاد المسلمين، مع كلّ أسف!

وعيد شديد تَفْرق له القلوب الحيّة

ليت من أغرته نفسه فتسلّل خلسة وغيّر الحدود وسرق أمتارا من أرض قريبه التي تجاور أرضه! ليت من استسلم لطمع نفسه الأمّارة بالسّوء فحاز أمتارا من الأرض زيادة على ما اشتراه.. ليت من ضيّق على جاره في بيته، فبنى شرفة أو فتح نافذة في مقابل شرفة بيت جاره أو نافذته، أو استولى على الأمتار التي بينهما.. ليت هؤلاء يقفون مليا عند قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: “لعن الله من غير منار الأرض”، أي: لعن الله من غيّر حدود الأرض ومراسيمها ليأخذ ما ليس له.. ليت من أغرته نفسه فأخذ حقّ أخواته اليتيمات من الأرض أو السّكن أو الميراث.. ليت من سطا على أرض عمومية ملك للدّولة فبنى السّكنات والمحلاّت وظنّ أنّه أذكى وأشطر من غيره.. ليت التاجر الذي يستأثر بالرصيف الذي أمام محلّه فيجعله ملكية خاصّة، وليت من أغرته نفسك الطمّاعة فبنى على الرّصيف.. ليت من يضيّق طريق النّاس.. ليت هؤلاء جميعا يسمعون بقلوبهم وعقولهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “من أخذ من الأرض شبرا بغير حقه، خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين”، وفي رواية: “أيما رجل ظلم شبرا من الأرض كلفه الله -عز وجل- أن يحفره حتى يبلغ به سبع أرضين ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضي بين الناس”، وفي رواية ثالثة: “من أخذ أرضاً بغير حقها كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر”، وفي رواية رابعة: “من غصب رجلاً أرضا ظلما لقي الله وهو عليه غضبان”.

هل تطيق كلّ هذا؟!

عبد الله، يا من خاصمت أخاك ابنَ أبيك وأمّك أو قريبك أو جارك لأجل أرض أو سكن، وأخذت بتلابيبه وسببته وعاديته، وحرّضت عليه أبناءك، وأوقفته في المحاكم، ودفعت الرشوة واستعنت بالمعارف والوساطات لتأخذ ما تعلم يقينا أنّه ليس من حقّك.. وأنت يا من تفرح بدنانير تضعها في جيبك من أرض تزرعها وهي ليست ملكا لك وحدك، فيها نصيب الورثة من إخوتك وأخواتك وأبناء عمومتك.. وأنت يا من سطوت على أراضي البلدية، فبنيت عليها السّكنات والمحلاّت، أو جعلت تبيع أراضٍ ليست لك، وتضع ثمنها في جيبك حراما سحتا، وتشتري السيارات والملاذّ وتنفق يمنة ويسرة.. وأنت يا من اشتريت أرضا ثمّ حزت إليها ما ليس لك، فضيّقت على جيرانك وقطعت الطّريق على النّاس.. وأنت يا من استأثرت بالرّصيف والطّريق أمام محلّك… كيف يطيق الواحد منكم أن يعيش في هذه الدّنيا ولعنات الله تطارده؟ كيف لا يخاف لعنة الله التي تنتظره في الآخرة ليُطرد من رحمة الله؟ كيف يهنأ له بال وهو يعلم أنّ الله عليه غضبان، وربّما لا ينظر إلى صلاته ولا يعبأ بحرصه على الصفّ الأوّل ولا بصومه؟ هل يتحمّل ضمّة القبر؟ أم هل يستطيع أن يحمل تراب الأرض التي اغتصبها معه إلى المحشر؟ أم تراه يتحمّل أن يُطوّق بها أو يخسف به إلى سبع أرضين يوم القيامة؟

إذا كان في هذه الدنيا قد أمن العقوبة بالرشاوى التي يعطيها والوساطات التي تؤيّده في ظلمه وبغيه وبالمسؤولين الذين يجاملونه ويسكتون عنه، وبشهود الزّور الذين يشهدون له؛ فكيف به يوم القيامة؟ يوم يتعلّق من ظلمهم بتلابيبه ويسألون الله أن يأخذ لهم الحقّ منه؟ هل يظنّ أنّ صلاته ستدفع عنه حقوق العباد وخصومتهم يوم القيامة؟ لا والله.. هل يظنّ أنّ صيامه أو حديثه عن الدّين سيشفعان له أمام من ظلمهم؟ كلا والله.. لو كان يقوم الليل ويصوم النّهار ويبرّ والديه ويتصدّق، ويحجّ ويعتمر، ما دفع ذلك عنه من حقوق النّاس ومظالمهم شيئا، كيف إذا كان مع ذلك يضيّع صلاته، ويُعرض عن كتاب ربّه، ويعقّ والديه؟!

النّفس لا يشبعها إلا التّراب

ألا فلنكن على حذر، فإنّ الأمر عظيم وخطير عند الله، وليس بالسّهولة التي تُصوّرها لنا أنفسنا الأمّارة بالسّوء.. الاعتداء على حقوق الآخرين وبالٌ في الدّنيا والآخرة؛ أمراض وهموم ومصائب وعقوق أبناءٍ وتشتّت شمل، في الدّنيا، وضيق وظلمة في القبر، وخسف وجمر من نارٍ يوم القيامة.. فلنتّق الله ولْنقنع بما قسم الله، ولنمسك أيدينا عن أن تمتدّ إلى ما حرم الله، فإنّ الدنيا فانية، والأرض زائلة، والمال زائل، ولن يأخذ الواحد منّا معه إلى قبره سوى عمله الصّالح.. النّفس أمّارة بالسّوء، لا تقنع ولا يشبعها إلا التراب. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب”.

مقالات ذات صلة