عامٌ لا يُنسى!
يومان ويرحل العام الميلادي الرابع والعشرون بعد الألف الثانية؛ عام يفترض أن يحفر في ذاكرة كلّ مسلم، ويسطر في دفاتر أبنائنا الذين ينبغي لهم ألا ينسوا عاما اسمه “العام 2024م”.. عام أثخن بالأحداث التي كانت أمّة الإسلام مسرحا لها.. أحداث عظيمة في فلسطين وسوريا واليمن ولبنان والسّودان، كانت حصيلتها عشرات الآلاف من الأرواح التي أزهقت، ومئات الآلاف من الأسر التي شرّدت!
رأينا في هذا العام صورا مروعة لأشلاء الأطفال الممزّقة ولجثثهم المحترقة، ورأينا رؤوسا بلا أجساد وأجسادا بلا رؤوس.. وأدمت قلوبنا صور الآباء الذين يحملون ما تبقى من أشلاء أبنائهم ليدفنوه، ورأينا أمهات يحضنّ فلذات أكبادهنّ ويخاطبنهم وهم جثث هامدة.. وسمعنا صيحات العفيفات تعانق عنان السّماء ولا مجيب، وعاينّا تقارير إعلامية تتحدّث عن 45 ألف مسلم قضوا في غزّة ودفن أكثرهم في مقابر جماعية ستظلّ شاهدة على الإرهاب الصهيونيّ الذي عجز العالم عن أن يوقفه.
كنّا نقرأ سورة البروج، فنستذكر ما حصل للمؤمنين في حدود سنة 525م، في منطقة نجران جنوب الأراضي السعودية حاليا، ولكنّنا الآن نعيش أحداثَ قصّة أفظع وأشنع في غزّة؛ أحداث تنقلها الكاميرات بالصورة والصّوت، ونرى أهل غزّة يبادون ويحرّقون وتقطّع أجسادهم إلى أشلاء وتنتشل قطعا مفتتة من اللحم.. ومع ذلك تستمرّ الحياة ولا كأنّ شيئا حدث! لذلك فالعام 2024م هو عام أصحاب الأخدود الجدد.
فظائع لم يخفف وطأتها غير صولات المجاهدين والمرابطين الذين أرقوا ليل الصّهاينة المحتلّين. رأينا أسد الله في كتائب القسّام وسرايا القدس كيف يقنصون الصهاينة ويفجّرون الآليات ويبثّون الرعب في جند العدوّ بعملياتهم الاستشهادية.. ورأينا كيف أنّ قادة المجاهدين يقدّمون أرواحهم وأبناءهم على طريق الشهادة.. وقفنا مليا عند استشهاد القائد الرباني إسماعيل هنية الذي قضى نحبه بعد أن قدّم من أبنائه وأحفاده من قدّم، وذهلنا لخاتمة السّنوار الذي سطر للأمّة درسا من أبلغ الدّروس في الثبات إلى آخر رمق رغم الحصار والجوع والوهن.. ورأينا كيف أنّ أبا عبيدة لا يزال -رغم الطّلب والرصد- يزأر في الأمّة وينادي في الملياريْن أن أفيقوا قبل أن تُفجعوا في فلسطين وتفقدوا أقصاكم. ((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)).
ما يحزّ في النفوس أنّ الأمّة -إلا من رحم الله منها- أخذت دور المتفرّج، وتركت المرابطين وحدهم يواجهون قوى الشرّ من صهاينة وصليبيين وأعراب منافقين.. الحصار لا يزال مضروبا على المجاهدين ولا يكاد يصل إليهم شيء من السلاح، وكلّ ما يقارعون به الصهاينة هو من صنع أيديهم المتوضّئة، حتّى اضطروا إلى العمليات الاستشهادية، وما كان لجند القسّام أن يلجؤوا إلى هذه العمليات لو وجدوا في أمّتهم من يمدّهم بالسّلاح لمواجهة أعداء الله ورسوله. والمؤسف أنّه لا يزال في الأمّة من يناقش حكم العمليات الاستشهادية، إن كانت جائزة أو محرمة!
الأمّة لم تخذل المجاهدين وحدهم، بل قد خذلت الأطفال والنّساء وتركتهم للقصف الصهيونيّ، وللجوع والبرد.. في يوم الأربعاء الماضي أصبحت الطفلة البريئة “سيلا محمود الفصيح” التي لم يتجاوز عمرها 20 يوما، متجمّدة، وفاضت روحها البريئة في مخيّم النازحين بخان يونس، بسبب البرد، وقالت والدتها المكلومة: “ماتت سيلا من البرد. كنت أقوم بتدفئتها واحتضانها. لكن لم يكن لدينا ملابس إضافية لتدفئتها”.. كما مات طفلان آخران من البرد، أحدهما عمره 3 أيام والآخر عمره شهر!
الأمّة لم تخذل المجاهدين والنّساء والأطفال، فحسب، بل قد خذلت المسجد الأقصى المبارك، وتركته نهبا للصهاينة يحاصرونه ويقتحمونه.. غير بعيد، وفي يوم الأربعاء الماضي، وبمناسبة عيد الحانوكا العبريّ، وزير صهيونيّ يقتحم الأقصى المبارك على مرأى ومسمع من مدمني التنسيق المنشغلين بمحاصرة المقاومين في الضفّة الغربية.
خلال هذا العام، كنّا شهودا نسمع ونرى، كيف تعرّض لبنان لعدوان صهيونيّ آثم، حصد أرواح أكثر من 2800 بريء، لا لشيء إلا لأنّ لبنان أراد أن يكون ظهيرا ونصيرا لغزّة.. ورأينا العدوان الغاشم الذي يتعرّض له اليمن المسلم، انتقاما من أهله الذين انتصروا لفلسطين وقصفوا الصهاينة بصواريخ ألقت الذّعر في قلوب المستوطنين.. اليمن رغم الفقر وقلّة ذات اليد ينتصر لغزّة بينما أكثر من 50 دولة مسلمة تدّخر صواريخها وطائراتها ليأكلها الصّدأ.
في هذا العام 2024م، تكشّف للأمّة حجم المأساة التي كان يعيشها إخواننا السوريون خلال عقود من الزّمان، سواء منهم الذين هاجروا أو الذين بقوا في الدّاخل.. وها هي بلادهم التي هي جزء من أرض الشام المباركة لا تزال تتعرض لمؤامرات الأعداء والأعراب.. يريدون لها أن تظلّ جرحا نازفا ويبقى بأس أهلها بينهم، ويريدون للسوريين أن يقاتل بعضهم بعضا فينشغلوا عن نصرة إخوانهم في فلسطين.
في هذا العام 2024م، كنّا شهودا –كذلك- على المأساة التي يعيشها إخواننا المسلمون في السّودان الجريح.. السودان الذي أصبح مسرحا لمؤامرات الأعداء والأعراب.. ما لا يقلّ عن 20 ألف سودانيّ قتلوا، و14 مليون اضطروا للنّزوح واللجوء إلى مخيّمات اللجوء: هذه هي حصيلة الحرب الداخلية في السودان على مدار 20 شهرا! أطراف كثيرة تتحمّل وزرها، على رأسها تلك الإمارات التي تقدّم الدّعم لقوات الدّعم السريع لتواصل عدوانها الآثم على السودانيين!