عباس ونتنياهو.. من الأعمى ومن المقعَد؟
مرة أخرى يثبت الشعب العربي الفلسطيني كحاله منذ مائة عام أنه أكبر من قياداته.. ولكنه هذه المرة، حيث انتفاضة الأقصى الثالثة الدائرة رحاها وتتوسع يوما بعد يوم من القدس إلى الضفة الفلسطينية إلى قطاع غزة إلى العرب في الداخل الفلسطيني، يضع قيادته والقيادة الإسرائيلية في الزاوية الصعبة.. مما يوجب فهما جديدا لما يجري في فلسطين وفي عموم المنطقة.
من الواضح أن رئيس الوزراء الإسرائيلي فشل في منع الانتفاضة وتمددها، فقد وصلت إلى باب وزارة دفاعه، وهذا يعني أن الجيش الإسرائيلي لم يفقد شراسته وعنجهيته وحسب، بل تأكد الضعف الذي اعتراه في حروبه منذ 2006 ولم يعد يخيف حتى أطفال فلسطين وفتيانهم، فمعظم شهداء هذه الانتفاضة دون سن العشرين، فهو لا يخيف إلا جنرالات العرب وساستهم.
كان عبّاس في خطابه الأخير بالغِ النعومة في الأمم المتحدة قد أشار إلى أن الأمور اقتربت من أن تفلت من يده، وكان هذا طلبا مبطنا من نتنياهو أن يفعل شيئا، لكن هذا مستندٌ إلى التجاهل الذي أبداه كل من أوباما وبوتين للموضوع الفلسطيني، وركب راسه لتنفيذ مشروعه وأمر باقتحام الأقصى وحرك المستوطنين، وشنّ حربا على المدنيين.. لكنه فوجىء بأن الزمام فلت فعلا منه كما فلت من عباس، وهو الآن في الزاوية الحرجة لأنه:
1 ـ لا يستطيع شن حربا لا على القدس ولا على الضفة ولا على غزة، ولا حتى على الفلسطينيين في الداخل، ليس فقط لأن خصومه السياسيين بمن فيهم القيادات العسكرية لا تريد ذلك والحرب يلزمها إجماع، بل أيضا لأن الفلسطينيين اشتغلوا طوال السنوات السابقة على المجتمع الدولي.
2 ـ ليس هناك ما يكفي من الأدلة بأنه يستطيع الاعتماد على الضعف العربي وانشغال العرب عن مساعدة الفلسطينيين لأن الشبان الفلسطينيين نسوا أن هناك حكاما عربا، بل وشعوبا عربية، وهم يعتمدون في هذه الانتفاضة على أنفسهم فقط، ولم يطلبوا من أحد حتى أنبوب مرهم لمعالجة جريح.. تجاوز الشبانُ الفلسطينيون هذه الحالة فلا أحد يضغط عليهم ويبتزّهم مقابل تلك المساعدات.. إنها ورقة عار عربية سقطت.
3 ـ سقط رهانه على الانقسام الفلسطيني، فقد تجاوز الشبان الفلسطينيون كلا من حركتي فتح وحماس وسائر الفصائل الفلسطينية، بل وتجاوز السلطة الفلسطينية نفسها.
الشبان الفلسطينيين نسوا أن هناك حكاما عربا، بل وشعوبا عربية، وهم يعتمدون في هذه الانتفاضة على أنفسهم فقط، ولم يطلبوا من أحد حتى أنبوب مرهم لمعالجة جريح.. تجاوز الشبانُ الفلسطينيون هذه الحالة فلا أحد يضغط عليهم ويبتزّهم مقابل تلك المساعدات..
لكن محمود عباس بدوره في زاوية صعبة وبحاجة لمن يخرجه منها، فهو:
1 ـ يرى أن شعبه لم يعد مقتنعا باتفاقية أوسلو التي صنعها عباس نفسه على ظهر الانتفاضة الأولى التي بدأت في ديسمبر 1987 وأنهاها الاتفاق في سبتمبر 1993، ويعتبر الشبان الفلسطينيون أنفسهم غير معنيين بها لأنها لم تقدم لهم شيئا، فلابد من صفحة جديدة، وعباس ربط حياته السياسية بهذه الاتفاقية التي خالف عرفات في نظرته إليها بأنها تمزقت بعد مرور الخمس سنوات الأولى.
2 ـ لم يعد عباس قادرا على الاحتفاظ بالسلطة لأن إسرائيل أفرغتها من محتواها، ولأن حماس تنافسه عليها فعلا، وقد حوّلت قطاع غزة إلى قاعدة عسكرية فلسطينية قد تمكنها لاحقاً من استلام السلطة حتى في الضفة رغما عنه وعن إسرائيل.
3- صحيح أن محمود عباس حقق مكاسب على الصعيد الدولي، لكن الشبان الفلسطينيين يرون أن هذه المكاسب لم تنعكس إيجابيا على الشعب الفلسطيني، وبالتالي فهي كما يقول الفلسطيني”طبخة بحص” أي أن عباس يقوم بدور المرأة الفقيرة التي كانت تطبخ الحصى حتى يغلب النوم أولادها الجياع.
4 ـ سقط رهان عباس على أن الشعب الفلسطيني لن يتحرك ضده كما فعلت الشعوب العربية ضد حكامها، فمشكلة الشعب الفلسطيني مع اسرائيل، وليست مع النظام..ولكنه فوجىء بأن الشعب الفلسطيني يحشره في الزاوية مع اسرائيل نفسها.
وهنا يأمل عباس بأن يتبادل مع نتنياهو التنازلات وينقذ كل منهما الآخر بترتيبات أمريكية وأوروبية تمكّنهما من العودة إلى”ماراطون” المفاوضات.
من الناحية النظرية يمكن أن يحصل ذلك؛ ففي السياسة يمكن للأعمى أن يحمل المقعد لتجاوز النهر، لكن من الناحية العملية أكاد أجزم بأن هذا لن يتم.. لن يتفاوض نتنياهو.. لأن مطلب الشباب الفلسطيني أخفّ عليه من مطلب أمريكا وعباس والدول الأوروبية.. لماذا؟
لأن الشباب الفلسطيني الذي أخرج الضفة عن السيطرة ولم يعد لعباس ولا للفصائل سواء حماس أو غيرها أية قيمة تذكر لديه، يريد انسحاب اسرائيل إلى حدود الرابع من جوان 1967 لأنه لا يريد أن يكرر ما حدث في مفاوضات أوسلو ويعترف باسرائيل، إنه يريدها أن تنسحب.. وفقط.
كيف؟
لقد انسحبت اسرائيل من غزة من طرفٍ واحد، ولم تفاوض حتى لا تسجل على أنها انسحبت من أرض كانت تزعم أنها “أرض إسرائيلية؟”، وتمكّن الفلسطينيون بعد ذلك من تحويلها إلى قاعدة عسكرية، ونتنياهو اليوم وقع في مأزق شارون نفسه.. هل يتفاوض مع عباس وينسحب من القدس وينسى لب الادعاءات الصهيونية بالوطن القومي لليهود وينهي حياته السياسية إلى الأبد؟ إن الانسحاب دون مفاوضات أسهل عليه.. وليذهب عباس إلى الجحيم.
قد يذهب عباس إلى الجحيم، لأنه في حالة انسحاب كهذا يكون الشباب الفلسطيني قد حرر الأقصى والضفة، وسيلتفت إلى قيادته وفصائله التي بلغ عمر أصغرها سبعين سنة، ويحيلها على التقاعد الاجباري.. فالعصر عصر شباب الحجارة الذين يأخذون سلاحهم بكل شجاعة من أيدي الجنود الاسرائيليين المنهارين وليس عصر ديناصورات السياسيين…
وفعلا، قد يذهب عباس إلى الجحيم، لأنه في حالة انسحاب كهذا يكون الشباب الفلسطيني قد حرر الأقصى والضفة، وسيلتفت إلى قيادته وفصائله التي بلغ عمر أصغرها سبعين سنة، ويحيلها على التقاعد الاجباري.. فالعصر عصر شباب الحجارة الذين يأخذون سلاحهم بكل شجاعة من أيدي الجنود الاسرائيليين المنهارين، وليس عصر ديناصورات السبعينيات والثمانينات الذين يشربون البابونج وينظرون في السياسة حول الكانون، فانسحاب اسرائيل وبقاء عباس خطان متوازيان عند الشباب.
والطريف أن لا دولة عربية ولا غير عربية تستطيع انقاذ عباس؛ فالشباب الفلسطيني لم يعد يثق في هذا العالم سوى بدولة واحدة وشعب واحد.. هذه الدولة هي الجزائر، وهذا الشعب هو الشعب الجزائري.
وهنا تبرز مشكلة أخرى: هل بوتفليقة -وهو موطن ثقة الشباب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية- قادر على أن يتحرك في هذا الاتجاه؟
وأخيراً: ما فائدة عباس للنضال الفلسطيني والعربي في المرحلة القادمة وهي مرحلة ستزداد صعوبة في وقت ترسل فيه موسكو صواريخها من بحر قزوين وأمريكا تستعد ببوارجها لما هو أشد تأثيرا من الصواريخ؟