عدوانية المحور الفرنسي ـ المغربي
لكل بلد “محور شر” دائم ومواظب على تنغيص علاقاته الدولية، و”محور الشر” الخاص بالجزائر نشأ بعد استقلال الجزائر من مرارة يجترّها كل من المستعمِر القديم والجار المغربي، هي التي تكون قد حملت معظم رؤساء فرنسا في الجمهورية الخامسة على نقل رسائل التهديد الدائم للجزائر عبر منع قيام مصالحة تاريخية بين الجزائر والمغرب يحتاجها الشعبان والدولتان.
الرئيس الفرنسي الجديد لم يقض أكثر من أسبوع بقصر الإليزي حتى بادر إلى إطلاق النار على الجزائر عبر بوابة الورطة الفرنسية في مالي، وقد اختلطت عليه التقديرات والحسابات، وظن أنه لا يزال يمثل دولة استعمارية عظمى يحق لها توبيخ دول الساحل وتهديد بلد بحجم ومكانة الجزائر.
من جهته، تحرك الجار المغربي بكثير من الصلف والجراءة في حملات متواصلة معادية للجزائر قبل وبعد التحاقه بالاتحاد الإفريقي الذي لم تبذل الجزائر أي جهد لمعارضته، بل وتكون قد أغضبت حليفتها جنوب إفريقيا وبعض دول جنوب القارة المعارضة بشدة لعودة المغرب إلى المنظمة الإفريقية.
وقد يحسن بالجزائر أن تعيد توجيه سياستها الخارجية باعتبار حقيقة وجود المحور “الفرنسي المغربي” الذي ظل ثابتا متناميا منذ ستينيات القرن الماضي، وليس في الأفق المنظور ما يحمل على توقع حصول فتور في استعدائه للجزائر تحديدا في ملف تصفية الاستعمار في الصحراء الغربية الذي يواجه فيه الصحراويون ـ إلى جانب الأطماع التوسعية التقليدية للمغرب ـ أطماعا فرنسية أكثر غلوا من دولة استعمارية لم تنجح نخبُها في التخلص من الثقافة الاستعمارية التي رأيناها تسبق لسان ماكرون في أول ظهور دبلوماسي له.
وبالنظر إلى الشخصيات البارزة التي استعان بها ماكرون في الحملة ثم في تشكيل الحكومة، وتقريبه لنجوم معروفة بعدائها للجزائر من اليمين ومن الاشتراكيين ومن اللوبيات: الصهيونية والمغربية، فإنه يصعب توقع بناء علاقات شراكة متوازنة بين الجزائر وفرنسا منزهة من مخلفات الحقبة الاستعمارية حتى بعد التصريحات المطمئنة التي أدلى بها ماكرون المرشح ونسفها ماكرون الرئيس في أول ظهور دبلوماسي له في الملف المالي قبل أن يرسل رجل الإطفاء رفاران لتدوير الزوايا وجبر الخواطر.
كما يصعب توقع ظهور انفراج وتحسن في العلاقات الجزائرية المغربية مع نظام مخزني وضع جميع بيضه في سلة أطماعه الترابية في الصحراء الغربية والعداء المستدام للجارة الجزائر، ودخل في السنتين الأخيرتين في مسار خطر مليء بالاستفزازات الصبيانية: أمنيا، ودبلوماسيا، وإعلاميا، كان آخرها اعتداء الوفد المغربي منذ أسبوع على دبلوماسي جزائري على هامش انعقاد ملتقى للجنة الـ24 الخاصة بتصفية الاستعمار وتحريك حملة إعلامية مسعورة ضد الجزائر.
حيال عداء هذا “المحور الفرنسي ـ المغربي” لا يمكن للجزائر أن تظل مكتوفة الأيدي، وهي تملك وسائل كثيرة ومتنوعة لرد الصاع صاعين، سواء تجاه فرنسا التي فقدت هيمنتها على السياسة الأوروبية كما فقدت كثيرا من النفوذ في القارة السمراء، ولها أكثر من منافس أوروبي في السوق الجزائرية، أو تجاه المهاترات المغربية الدبلوماسية والإعلامية والرد عليها، ليس بنفس الأدوات والأساليب البدائية التي لا يحسن المخزن غيرها، بل بإعادة انتشار الدبلوماسية الجزائرية وتوجيهها للعمل بنفس العقلية والمهارة التي ينشط بها ممثل الجزائر لدى الاتحاد الأوروبي الذي استطاع إحباط وتعويق نشاط المحور الفرنسي المغربي في أكثر من مناسبة.