الرأي

عراك البرلمان.. بين الجزائر وفرنسا واليابان!

محمد سليم قلالة
  • 4680
  • 0

الشرعية وحدها هي التي تمكننا من اختبار ما حدث في البرلمان والحُكم عليه. بقدر ما يكون البرلمان شرعيا بقدر ما تكون الاختلافات والاضطرابات بداخله تعبيرا عن الديمقراطية وحرية التعبير واختلاف الرأي، وبقدر ما لا يكون كذلك تكون مجرد كوميديا هزلية ما يلبث أصحابُها أن يعودوا إلى ما كانوا عليه… وعليه، إذا كان علينا أن ننظر إلى ما حدث في برلماننا بمنظار المستقبل، فلا بديل لنا عن بحث كيفية بناء الشرعية، ولا يهم بعدها إن حدث النقاش أو التلاسن أو حتى العراك.. قد يحدث الأمر ذاته في اليابان وفرنسا والجزائر، ولكنه لن يحمل نفس الدلالات ولا نفس الأبعاد.

حدث في أكثر الديمقراطيات عراقة شجارٌ أكبر من الذي حدث في الجزائر، أوصل بعض النواب أحيانا إلى المستشفى، من اليابان إلى فرنسا إلى إيطاليا حيث هناك تقاليد ديمقراطية، ومن الكونغو إلى الهند إلى أوكرانيا إلى روسيا إلى العراق إلى الجزائر؛ البلاد حديثة العهد بالنقاشات البرلمانية.

في اليابان تشاجر النواب في سبتمبر الماضي حول موضوع يتعلق بسياسة الدفاع الوطنية: هل يتم إرسال قوات عسكرية يابانية إلى خارج الحدود؟ أم يتم البقاء ضمن أحكام الدستور القائم الرافض لذلك؟ وتبع هذا الشجار في الأيام الموالية تظاهر أكثر من 13000 ياباني أمام البرلمان وعشرات الآلاف في الشوارع على غير العادة عند اليابانيين. وانتهى الصراع سلميا بين الطرفين، ذلك أن المعارضة والأغلبية كانتا تمتلكان الشرعية وتمثلان حقيقة الرأي العام الياباني. وتمكن رئيس الوزراء  “شنزو آبي” في 18 من سبتمبر الماضي من تمرير مشروع القانون بـأغلبية 148 صوت مقابل 90 صوت، وتخلى اليابان لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية عن دستوره السلمي وعن المادة التاسعة من القانون الأساسي الذي فرضته الولايات المتحدة على هذا البلد سنة 1947 بأن لا يعود أبدا إلى الحروب.

وفي فرنسا نزل يوم 19 أفريل 2013 عددٌ من نواب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية (يمين وسط بزعامة ساركوزي) إلى حيث يجلس الوزراء تعبيرا عن رفضهم لقانون “الزواج المثلي” كما يُسمى زوراً، واحتدم الصراع وتمّ التلويح باللكمات، وتوقفت الجلسة ومعها أوتوماتيكياً الكاميرات، ولم يشهد الرأي العام حقيقة ما جرى، واعتبر أن ذلك من قبيل الحق في الدفاع عن الرأي، ووجد كل ذلك تبريرا في أن من قاموا به كانوا نوابا منتخبين بطريقة شرعية سواء الغالب أو الخاسر من لعبة الصراع السياسي أو الشجار. وبعد 170 ساعة من النقاش الساخن صوّت 331 نائب مع مشروع القانون وضده 225 نائب، وأصبحت فرنسا بعدها تاسع دولة في أوربا تسمح بـ”الزواج” المزعوم بين الرجال بعضهم ببعض، والنساء بعضهن ببعض. هكذا هي نتيجة أعرق الديمقراطيات.

المسألة الأولى التي ينبغي أن نقف عندها هي شرعية المتشاجرين ومدى تمثيلهم للشعب؟ إذا كانوا منتخَبين بطريقة شفافة وسليمة، فإن عراكهم سيكون حقيقة تعبيرا حقيقيا عن سخط جمهور الناس الذين انتخبوهم ،ويكون مشروعا في حدود انه معبّر عن غضب غالبية أو أقلية يمثلونها. 

وفي كوريا الجنوبية وتركيا وأكرانيا والهند وجنوب افريقيا والكونغو…. وعشرات البرلمانات في العالم حدثت شجاراتٌ ومعارك كلامية وصلت أحيانا إلى تبادل اللكمات أو استخدام الكراسي والميكروفونات وحتى الضرب بمطرقة الرئيس…

كل هذا حدث وسيحدث لاحقا في العالم، إن لم نقل أنه من طبيعة البشر. فهل لحدوثه نفس المعنى؟ هل لحدوثه في اليابان وفرنسا والجزائر نفس المعنى؟

هل دلالات العراك وأبعاده وما يحمله من إشارات عن المستقبل هي ذاتها للجميع؟

يبدو أنه علينا في هذا المستوى أن نتوقف لنميّز بين أكثر من مسألة تهمنا من منطلق واقعنا السياسي والتاريخي وانتمائنا الحضاري، ومن منطلق ما ينبغي أن نفهمه من الديمقراطية كأسلوب في ممارسة الحكم.

ـ المسألة الأولى التي ينبغي أن نقف عندها هي شرعية المتشاجرين ومدى تمثيلهم للشعب؟ إذا كانوا منتخَبين بطريقة شفافة وسليمة، فإن عراكهم سيكون حقيقة تعبيرا حقيقيا عن سخط  جمهور الناس الذين انتخبوهم، ويكون مشروعا في حدود أنه معبِّر عن غضب غالبية أو أقلية يمثلونها، أما إذا كانوا غير ذلك فما عراكُهم إلا لأجل أنفسهم أو لأجل صراعات صورية لن تفتأ أن تذهب مع فورة الغضب ليعود أصحابُها إلى مقاعدهم سالمين.. ولعل الأمر واضحٌ عندنا والجميع يعرف أن أكبر مشكلة نعيشها في تجربتنا الديمقراطية هي مدى تمثيلية البرلمان ومدى شرعيته ومشروعيته منذ أن عرفنا الانتخابات في هذا المستوى وغيره، وعلينا أن نصحح ذلك.

ـ المسألة الثانية هي نوعية القضايا التي يحدث من أجلها الصراع ومدى وضوحها عند الناس. لقد كان موضوع تغيير العقيدة العسكرية اليابانية فعلا مُدرَكا بطريقة واضحة لدى الرأي العام الياباني المعارض أو المؤيد على حد سواء، كما كان موضوع ما يُسمى “الزواج المثلي” واضحا عند الفرنسيين، المؤيد منهم والمعارض على حد سواء،  فهل كان موضوع قانون المالية واضحا لدى الرأي العام الجزائري؟ وهل تابع الجزائريون مئات الساعات من النقاش ليفهموا حقيقة التجويع فيه أو حقيقة خدمة الشعب؟ لم يحدث ذلك وكان الغموض هو سيِّد الموقف إلى آخر اللحظات.. إلى أن تابع الناس العراك ونسوا القانون الذي يفترض أنه كان سببا فيه.

مدى جدوى الديمقراطية بهذا الشكل التمثيلي القائم على الأغلبية العددية والأغلبية العددية وحدها؟ وماذا لو تمكَّن نافذون ماليا أو سياسيا من تشكيل برلمان بأغلبية تعيد النظر في أحد الثوابت الوطنية أو تراجِع كلية الدستور الجزائري بما يمس عقيدة وقيم الأمة؟ هل يكفي الشجار حينها؟

ـ المسألة الثالثة التي ينبغي أن تثيرنا هي طبيعة التمثيل الديمقراطي في حد ذاته، ومدى جدوى الديمقراطية بهذا الشكل التمثيلي القائم على الأغلبية العددية والأغلبية العددية وحدها؟ وماذا لو تمكَّن نافذون ماليا أو سياسيا من تشكيل برلمان بأغلبية تعيد النظر في أحد الثوابت الوطنية أو تراجِع كلية الدستور الجزائري بما يمس عقيدة وقيم الأمة؟ هل يكفي الشجار حينها؟

يبدو أننا بحاجة بالفعل إلى  قراءة أكثر عمقا لما نحن مقبلون عليه من تجربة ديمقراطية، وبحاجة إلى اتخاذ محاذير أكبر مما نعتبره الحل المثالي لمشكلتنا السياسية وواقعنا الاقتصادي، ذلك أن ما حدث  في الأيام الأخيرة من عراك في البرلمان إنما هو إشارة حقيقية حاملة للمستقبل، عن ما ينتظرنا على أكثر من صعيد خلال الممارسة الديمقراطية القادمة… ليس فقط أمامنا أن نحلّ مشكلة الشرعية التي هي جوهرية، بل علينا أيضا أن نحل مشكلة تنوير الرأي العام بتفاصيل ما يُشرَّع له من قوانين، وتمكينه من الاستماع إلى نقاش نوعي حولها ليكون على بصيرة بما ينتظره، ويدرك طبيعة الصراع القائم بين منتخبيه، ويتفهّم طبيعة العراك الذي يحدث إذا ما حدث.. وقبل ذلك تسليحه بدستورٍ حقيقي نابع من إرادته الحرّة قادر على أن يحمي قيمه وعقيدته، ويمنعه من أن يضطر ذات يوم إلى  أن يطرح للنقاش مسائل قد تعيد النظر في كل البنيان الذي أقامه منذ قرون… وربما عندها سيكتشف بأن الديمقراطية ما كانت إلا سرابا وفخا أوقعوه فيه، يبدأ اليوم بعراك حول قانون للمالية وينتهي غدا بعراك على الطريقة الجزائرية حول مراجعة أحد ثوابته الوطنية، وقد تكون المراجعة حينها مستلهَمة من إحدى التجربتين الفرنسية أو اليابانية.. أليست كلُ تجربةٍ أنموذجا للديمقراطية؟

مقالات ذات صلة