عرّابو التطرّف وصكوك المغفرة!
في الوقت الذي ينشغل فيه كثيرٌ من الجزائريين بالإضرابات التي عطلت مجرى حياتهم، وأخلطت أوراقهم، يغرق آخرون في معارك وهمية، يفبركها بعض ضعاف النّفس ليلعبوا على وتر الجهوية والعنصرية عبر بوابة الهوية، لكن الأخطر من ذلك، هم أولئك المتربصون بالوطن، الذين أضحوا يستهدفون الشبان اليائسين ليحشوا عقولهم بالأفكار الهدامة، ويغسلوا أدمغتهم بمسحوق التطرف الذي يحضّ على العنف والكراهية باسم “إعلاء راية الإسلام”، عبر تلقينهم فنون التقتيل والتنكيل والسّبي، موهمين إيّاهم بأنها “السبيل إلى نيل الثواب في الآخرة ودخول الجنّة”، وكأنهم يملكون صكوك المغفرة التي تنجي من عذاب اليوم الموعود!
العمليات النوعية، التي قامت بها مصالح الأمن المشتركة، مؤخرا، بعدد من الولايات ضد خلايا تجنيد الشباب للالتحاق بـ”داعش” بسوريا، توضح بجلاء حجم المخاطر التي تتربص بهذا الوطن، الذي اكتوى بالعديد من المآسي والأزمات، ومع ذلك لا يزال صامدا، وكيف أصبح شبابنا لقمة سائغة لدى عرابي التطرّف، الذين استغلوا بطالتهم وأزماتهم المعقدة، ليرموا بهم في حضن الجماعات المتشدّدة التي لا دين لها.
المتربصون بالوطن، حاولوا استهداف السكينة في هذا البلد عن طريق النيل من مرجعيته الدينية بمذاهب وطوائف دخيلة على المجتمع، إلا أنّ مخططاتهم فشلت؛ فكانت “الكركرية” آخر حلقة في هذا المسلسل الذي تلوّن بأفكار غريبة، فجّرت موجة من السّخرية والتندر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ليدير البعض البوصلة نحو مسألة الهوية عبر اختلاق أزمة لسانية، فتصدّى لها صوت العقل والحكمة والمنطق، وهاهم يلجؤون إلى الأفكار الهدامة التي ارتوت من كأس التطرف حتى الثمالة.
الوضع الاجتماعي المزري لكثير من الجزائريين الذين فقدوا طعم الحياة من فرط الغبن الذي التصق بهم وأبى أن يفارقهم، أعمى بصرهم وأضحوا لا يرون سوى الضباب الذي يلف مستقبلهم؛ فيسلكون أي طريق يرونه مخرجا ينقذهم من الشقاء، وهو ما استغله عرّابو التطرّف الذين استثمروا في ظروفهم المادية المزرية، ومنظومتهم النفسية المضطربة، ليوهموهم بأنّ الخلاص من هذا الغبن هو الالتحاق بالتنظيم الدموي “داعش” الذي ينقذهم دنيويا ويعبّد لهم طريق الجنّة في الآخرة.
مثل هؤلاء، أصبحوا يصطادون الشباب الحالم بغدٍ أفضل، يُنسيهم العذابات التي تجرّعوها في بلادهم، ليرموا بهم في أوطان أخرى، كي يمارسوا التطرف باسم الجهاد وإعلاء راية الإسلام؛ فشوهوا دين التسامح وقدّموا للعالم مشاهد مرعبة، عنوانها الدّم والدّمار، وصنعوا من مجازرهم الوحشية خوفا مرَضيا لدى الغرب، اسمه الإسلاموفوبيا، لا تزال تدفع ثمنه الجالية العربية والإسلامية في المهجر، التي كانت عرضة للاعتداء والاحتقار والإهانة في كثير من المناسبات.
يقول البعض إنّ انعدام فرص العمل وأزمة السكن، التي يتخبّط فيها الكثير من الجزائريين، عبّدت الطريق إلى اعتناق أفكار هدّامة تتغذى من صحون الانتقام والضغينة والكراهية؛ فأنتجت كائنات بشرية تظن أنها مظلومة ومسلوبة الحقوق، ومصنّفة ضمن خانة مواطنين من الدرجة الثانية؛ فتلجأ إلى مختلف أشكال العنف، سواء كان لفظيا أم جسديا لتثبت وجودها.
باختصار، فإنّ الحقيقة المرّة، التي صرنا نتعامى عنها، هي أنّنا لم نستثمر في الفرد وأهملنا مشروع المجتمع، الذي تسهم في تشييده الأسرة والمدرسة والمسجد؛ فوقع كثيرٌ من الشباب المحطّم معنويا في مصيدة دعاة الفتنة والمتطرفين.