الرأي

“عصارة فكر” وخلاصة تجربة

حمزة يدوغي
  • 1491
  • 0

استوقفتني كلمات “لولفرد هوفمان” سفير ألمانيا السابق في الجزائر، الذي اختار – بعد إسلامه – اسم “مراد هوفمان”، جاءت في معرض حديثه عن “رحلة الإيمان” رحلة الذات التائهة التي خرجت بإذن ربها من الظلمات إلى النور، وعن تجربة الإنسان الغربي الذي أسلم وجهه لله رب العالمين قال “إن الغربيين بحثوا المادة فوجدوا الروح وبحثوا الروح فوجدوا الصدفة ولما بحثوا الصدفة وجدوا الله”.

إن القراءة الشاردة لهذه الكلمات قد تعطي انطباعا عاجلا بأنها أقرب إلى الصور الشعريةمنها إلى شيء آخر، بينما هيعصارة فكر وخلاصة تجربةووصف علمي دقيق للمراحل الكبرى التي قطعها العلم في الغرب ليصل إلى المرحلة التي حطم فيها هذا العلم نفسه أسطورة العلم. نعمإن العلم التجريبي أصبح يقتفي اليوم آثار الدين بعد أن أكد العلم نفسه أنه لا توجدمعرفة يقينيةإلا في الدين، أما في العلم فإن الشيءالمطلقالوحيد فيه هوالنسبية“.

العلم اليوم هو الذي يستنير بحقائق الدين ويعلن عجزه عن اجتيازالوصفإلىالتفسير، سواء في تعامله مع الإنسان أو مع الكون والطبيعة، لقد صحا العلم عن غروره وظهرت مؤلفاتعلميةتؤكد هذه الصحوة، وتشير إلى هذا المنعطف الجديد في تاريخ العلم الحديث مثلموسوعة الجهلالإنجليزية وحدود العلملسولفيان، كما نجد هذه الحقيقة مبثوثة في الاعترافات الصريحة التي تحتويها مذكرات العلماء الذينكفروافي أخريات أيامهم بالقدرة المطلقة للعلم على تفسير كل شيء وتفطنوا إلى أن العلم لا يزيد علىتوسيع دائرة السؤال، وأما الإجابات التي يقدمها في كشف أسرار المادة فإنها لا تتجاوز الوصف إلى الحقائق الكلية، وقد آمن هؤلاء العلماء بأن الدينحقيقة علميةبالمفهوم الواسع لكلمةالعلم“.

قالأينشتاين“: “إن الشعور الديني الذي يستشعره الباحث في الكون هو أقوى وأنبل حافز على البحث العلمي، وقال وليام جيمس: “إن الذي يدعم شجاعة الباحثين ويقوّيها هو ما في مثلهم وأفكارهم الخلقية من قوة الإيجاب والإلزام، ذلك هو الوصف الحقيقي للروح العلمي، فهل تختلف في الجوهر عن الروح الديني؟!”

لقد أثارت تلكالكلمات المكثفةلمراد هوفمان تساؤلات متداخلة عديدة، وجملة من الخواطر الشاردة التي تجمعت لتشكل كلها صيغة واحدة هيألا يكون مثل هذهالحقائقتصديقا لنبوءات بعض المفكرين الغربيين الذين عبّروا عن يقينهم بأننهاية المطافبالنسبة للغرب هو الإسلاموفي مقدمتهمبرنارشوالذي قال: إن مشكلات العالم الأوروبي تجد كلها الحل في الإسلاموكذاأندري مالروالذي قال: إن القرن الواحد والعشرين سيكون روحيا؟!

وعن طريقالتداعيوجدتني أفكر في مردودية الجهود التي يبذلها الدعاة المسلمون في الأوساط الغربية غير المسلمة الذين يقدمون الإسلام كبديل منقذ للحضارة المادية المعاصرة؟ هلاستوعبواهذه الحقيقة التي عبر عنها مراد هوفمان ووظفوها توظيفا يؤكد للإنسان الغربيالمثقف العلماني التائهبأن التمسك بوحي السماء هوالحقوأن تطور الحياة وتقدم البشرية من شأنهما أن يصدعا بهذا الحق لا أن يشككا فيه، إن بعض الدعاة لا يملكونالثقافة العصريةاللازمة والحس الحضاريالذي يجعلهم ينطلقون من داخل الذات الغربية عند دعوتها إلى الإسلام لضماناطمئنان صاحبها وانجذابهلأن المسألة ليست مجرد كفاءة علمية بل هيقبل ذلك وبعد ذلكتركيبة ذهنية وتكوين ووعي.

يقول وحيد الدين خان في هذا المعنى: “إن الداعية المسلم الذي ينفق طاقته الفكرية في حشد الأدلة على أن القرآن الكريم لم يكن من الممكن أن يأتي به محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وإنما هو وحي من عند الله سبحانه، فيبدأ بالتأكيد على أنه كان أميا، ثم يستعرض بعد ذلك مختلف مناحي الإعجاز في القرآن الكريم، وما إلى ذلك.. هذا الداعية لا يملكتفكيرا عصريالأنه يفترض في الإنسان الغربي المخاطب أنه يؤمنبفكرة النبوة أصلاولكن ينكرها على سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، بينما هو إنسان لا يؤمن بالدين أصلا ولا بالوحي ولا بالأنبياء والرسل، لأن ما لا يخضع للتجربة العلمية عنده خرافات وأباطيل..

والتفكير العصري يقتضي أن يبرهن هذا الداعية على أنالوحي ظاهرة ممكنة علميا وأن الدين حقيقة علمية“.

إن الإحساس الواعي بهموم الإنسان المخاطب والانطلاق منداخل ذاتهومعاناته كإنسان شرط أساسي في دعوة الحيارى والتائهين، وأن ضعف هذا الإحساس هو الذي يفسر قلة تأثير بعض الدعاة بالرغم مما يبذلونه من جهد ويقومون به من نشاط.

إن الإنسان الغربي، المفكر المثقف الواعي بمأساته، وغربته الموحشة مع الذات، والذي يردد مع الفيلسوف جان بول سارتر، بكل مرارة، مقولته الشهيرة في التعبير عن قلقه الوجودي المدمرحريتي هي الأساس لكل أساس دون أساس ولذلك فهي حرية قلقة ..” هذا الإنسان لا نتصوره يستجيب لمن يدعوه إلى الإسلام بالموعظة الحسنة القائمة على لغة الترغيب والترهيب، بل لابّد له من لغة خاصة مناسبة لا تراعي فيه مستواه الفكري والثقافي فحسب، بل تراعي كذلك ظمأه الروحي ومعاناته الصادقة ورحلته المضنية داخل الذات بحثا عن المعنى، عن الحقيقة، عن الخلاص، عنالإسلام“.

فطوبى لمن هدى الله بهم من شاء من عباده الضالين الحيارى التائهين.. قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: “لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حُمر النعم، وفي رواية،خير لك مما طلعت عليه الشمس“.

مقالات ذات صلة