الرأي

عصر التضاؤل القادم

عمار يزلي
  • 343
  • 0

كل تطور وتمدد ينتهي بتقلص وانكماش قبل الأفول: هذه قاعدة تاريخية اجتماعية يكاد يجمع عليها كل الباحثين والمنظرين منذ حتى ما قبل ابن خلدون. قانون طبيعي وسنّة وناموس كوني ينطبق على كل كائن مهما كان طبقا لمقولة: “المتناهي في الكبر، يعادل المتناهي في الصغر”، من أصغر ذرة إلى الكون بأسره بمجرّاته غير المتناهية، وتمدُّده المستمر غير المتوقف. هذا ما ينطبق أيضا على الدول والإمبراطوريات التي تشكلت من رحم القبلية والأسرة الحاكمة قبل أن تتحول عبر القوة والتمدد والتوسع المتسارع، إلى جسم قوي تتشكل عبره الحدود ويتحدد من خلاله فضاء التمدد والاستقرار قبل المزيد من التوسع: التوسع والتمدد كان دوما بعنوان التطور والنمو ولكن أساسه كان البقاء والثبات والاستقرار من دون توسع، كان يعني التقلص والفناء.

هذا ما حصل تاريخيا مع كل القوى التي ظهرت عبر جغرافيا الكرة الأرضية منذ نشأة الدول وتطورها، سواء من خلال “الدولة القبيلة” أم “الدولة المدينة” أم “الدولة القومية”، وصولا إلى ملامح “الدولة العالم” اليوم التي يصطلح على الإشارة إليها بالعولمة.

العولمة، تشير في الأساس إلى “وحدة” دولية، تتشابك فيها المصالح وتتقاطع فيها التبادلات تحت غطاء دولي واحد بقوانينه وهيئاته وسلطاته جميعا: التنفيذية والأمنية والتشريعية. هذا على الأقل ما كان يصبو إليه منظرو وفاعلو المؤسسات السياسية لدى القوى الكبرى، أو لنقل الدولة الكبرى: الولايات المتحدة بشكل أساسي بعد أن أزاحت من أمامها التمدد الشرقي الشيوعي قبل أكثر من 30 سنة، وقبل أن تضعف القارة العجوز لتذوب شيئا فشيئا في عولمة العالم الجديد أحادي القطبية.

نظام العولمة بدأ فعليا منذ سقوط جدار برلين، أي قبل جيل كامل من اليوم، والدول بحسب ابن خلدون لا تعمّر عمليا أكثر من ثلاثة أجيال، أي إنه بعد كل جيل تحدث اضطرابات وتصدُّعات نتيجة بروز قوى الجيل الجديد النامي، الراغب في تحويل معادلة الوجود السياسي والاجتماعي إلى معادلة جديدة يستفيد منها، بدل ضياع الحقوق نتيجة الوضع السابق: محاولة لتعديل موازين القوى ومعادلة الميزان غير المعتدل، مما يُحدِث تصدعات واضطرابات، تماما كأي زلزال بمستوى متوسط الشدة، فالأرض أيضا تهتز لتضبط قواعد الاتزان وضبط التوازن ولو بإحداث أضرار جانبية وكوارث.

غير أن التطور والتمدد، وصولا إلى العالم القطبي الواحد اليوم، لن يكون بلا نهاية، فبالمحصِّلة، ستبدأ هذه القوة المتشكِّلة، في مرحلة من مراحل التمدد والنمو والتطور والتوسع، بالشعور بالضعف وبداية العجز ثم الانقباض ثم التراجع ثم الانكماش، لتنتهي كما بدأت أول مرة، وتنتقل السلطة والقوة إلى قوى جديدة أو قوة أخرى متجددة، لتعيد ترتيب الأوضاع من جديد والتموضع داخل الوضع السياسي والاجتماعي القائم.

هذا ما حصل مع كل الإمبراطوريات التي هي نتاج التوسع والتطور التقني المادي والعسكري وأيضا الحضاري الثقافي.

الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، وكما تشير إليه كل المؤشرات، بدأت في تجاوز مرحلة الشيخوخة، وهي في مرحلة أولى من بداية التباطؤ قبل الوصول إلى مرحلة التراجع. الولايات المتحدة، لا تزال قوة عظمى وبإمكانها أن تعيش كقوة كذلك لسنوات، لجيلين أو أكثر، بما يعني أنها قد تعمّر قرنا آخر من الآن، لكنها لن تكون هي نفسها تلك القوة السابقة ولا الوحيدة المتحكمة في العالم. سيكون العالم أكثر تنوعا وإن كان أقل استقرارا، فالتغيرات قادمة والأحداث ستكون متسارعة تباعا وقد تكون أكثر حدة وقوة نتيجة رفض القوة المهيمنة التفريط في سيطرتها، ودفاعها المستميت عن وجودها كقوة عالمية مهيمِنة.

مقالات ذات صلة