عصر تلاشي المرجعيات والصعود الجارف للمؤثرين
التفكير ليس طقطقه لعظام الفكر، كما قال نيتشه، كما أن الكتابة ليست مجرد رصف لكلمات مزركشة وعبارات منمقة بشكل خطي، إنهما عمق وتجربة ونزف للعواطف والأفكار، وولادة عسيرة ينتج عنها موات خلايا الدماغ دون أن تتجدد، كل ذلك في سبيل الرسالة النبيلة وصفاء المقصد الذي يتغياه كل مثقف عضوي أو مفكر جاد، مهموم بقضايا مجتمعه وأمته.
إن استسهال الكتابة، كما نرى ونقرأ، لهو إمعان في نشر التسطيح والتجهيل، وتورية صريحة للأفكار الجادة والكتابات العميقة، التي صار أصحابها في المشهد الثقافي والفكري، كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، وقد كانوا قبل هيمنة المنصات الاجتماعية وانتشار السطحية والتفاهة، مؤثرين حقيقيين وصناع وعي، وقدوات ومرجعيات تشد إليهم الرحال.
لعل أكبر جرم يقترفه المجتمع في حق أي فرد من أفراده، أن يضعهم في المكانة التي لا يستحقونها، كأن يضع اللص أمينا على بيت المال، و الجاهل معلما، و الفاسق إماما، والجبان قائدا، بينما خبير الاقتصاد سائقا، و المتعلم ماسحا للأحذية وعالم الشريعة عونا إداريا، والشجاع الكفؤ سمكريا والدكتور موظفا في مهنة حقيرة، ثم نتساءل لما كل هذه الحالة من التيه و الشعور بالقهر وانهيار سلم القيم، فالإحصائيات الأخلاقية التي يمكن استخلاصها من خلال ما يتم تداوله على المنصات، مقلقة جدا، وهي تشير بوضوح إلى تحول مأساوي في قيم المجتمع و نفسيات أفراده.
“خذ شخصا صالحا وصادقا ومحبا وجرّده من الضروريات الأساسية وستحصل قريبا على وحش لا يمكن التعرف عليه؛ سيفعل أي شيء للبقاء على قيد الحياة، في ظل الضغوط الشديدة، يصبح الإنسان وحشا في ثلاثة أسابيع من الضغط“، هذه العبارة التي أقترضها من الشاعر والكاتب الروسي”فارلام شالاموف”، تشير ببساطة، إذا تعالقت مع مقدمة المقال، إلى مآل الهندسة الاجتماعية الخاطئة، التي قادت في النهاية إلى انهيار دراماتيكي للكثير من المجتمعات وتآكلها من الداخل، لاسيما وقد قادت المنصات الاجتماعية إلى تقديم ما يسمى المؤثرين أو صناع المحتوى كقدوات ومرجعيات لها سطوة وسحر كبير على ملايين المتابعين، وما ينجر عن هذا الافتتان بهم من أثر بالغ على سلوكاتهم ووعيهم ونمط تفكيرهم.
لا غرو أن هناك علاقة مريبة ومربكة تجمع بين انتشار التقنية وتمدد الجهل، فبرغم أن الوصول إلى المعرفة صار سهلا وممكنا بصورة غير مسبوقة في التاريخ، مع طفرة الإنترنت في ظل الثورة الصناعية الرابعة، إلا أن ذلك فاقم من رقعة الجهل المركب و قلص المهارات الإدراكية للإنسان بشكل كبير جدا، إلى حد الغباء، ويمكن ملاحظة ذلك ببساطة في طريقة تعامل المستخدمين مع الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، بدون إبداء أي مقاومة نقدية أو مشككة في صحة ما يتم تداوله و مشاركته، خاصة أن هناك قضايا ذات أهمية قصوى جرى تعميتها بسبب صعود هذا “التريند” أو ذاك، وهيمنته على مرئية الأخبار والمحتوى الذي يغذيه المستخدمون في الواجهة الرئيسية للمواقع الاجتماعية.
صحيح أن الفرد يتحمل وزر الجهل الذي يقع فيه، إلا أن هذا الوضع في حد ذاته يخفي حقيقة أعمق، وهي أن الجهل والغباء البشري صار صناعة ضخمة تقف وراءها شركات التقنية الكبرى ووسائل الإعلام والنظم السياسية التي تحكم بخناقها على الأفراد، وتجتهد في تطويع التقنية لجعلها أداة تجهيل وإخضاع جبارة، من خلال تغييب العقل وتخدير الوعي، لا سيما وقد تفاقم الوضع مع بروز الميليشيات الأيديولوجية الرقمية، بمختلف مشاربها وأسرابها، بحيث صارت تمارس عنفها الرمزي على كل فكرة منفلتة من سيطرتها ورؤيتها وفهمها للعالم، وتغتال كل محاولة للقفز خارج الأسيجة التي وضعتها لتأطير المجتمع و تقويض المجال العام بشقيه، الواقعي والافتراضي.
لقد أضحت المنصات الاجتماعية بيئة خصبة لنشاط هذه الميليشيات للسيطرة على الرأي العام وتوجيهه وفرض منطقها، ولا سبيل لمواجهة بطشها وتغولها، إلا بسلطة القانون، وتبيان عوارها المركب، وانخراط النخب الوطنية في معركة الوعي بالنشر المكثف والتصدي بالتحليل والتفكيك لمختلف القضايا الهامة التي تشغل المجتمع، والتحفيز على الاستخدام العمومي للعقل في هذه المنصات، بدلا عن السطحية السائدة والانفعالات العاطفية التي تتحكم في التلقي، وتحرك كل تفاعل وكل مشاركة وكل رأي، مع طغيان سطوة الصورة والفيديو، فقد أدى العبور من براديغم العقل إلى براديغم الصورة، إلى جعل التفاهة في الفضاء الرقمي، تمشي مرفوعة الرأس وتتبختر، إذا اقترضنا من نيتشه هذه العبارة متحدثا عن العدمية؛ وما كان هذا ليتحقق، لولا “سيدة طقوس التفاهة”، الخوارزميات.
فالخوارزميات اليوم تقرر من يصير مرئيا وظاهرا، ومن يّستبعد ويُزاح، من ينتشر ويتمدد، ومن يُلغى ويُهمش؛ إنها تضع القواعد، تميت المعنى، تميع الذوق، تخدر الوعي وتتوج التافهين ملوكا على عرش منصات التواصل الاجتماعي، وهذا لأن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي، كما يقول البروفيسور، يوفال نوح هاراري، المؤرخ والفيلسوف المتخصص في التقنية والذكاء الاصطناعي ومؤلف الكتب الأكثر مبيعا في العالم، على صفحته الشخصية بمنصة(X) ، لم يُعطَ لها هدف خلق الثقة، ولم يُعطَ لها هدف خلق الحقيقة، بل أُعطي لها هدف خلق التفاعل(Engagement)، وبحسبه، فإن الهدف الذي أُعطي لخوارزمية فيسبوك، ولخوارزمية (X)و لخوارزمية “تيك توك” هو زيادة تفاعل المستخدم، وهذا يبدو لطيفا، فالتفاعل يبدو أمرا جيدا، لكن ما يعنيه حقا هو أن الخوارزميات قامت بتجارب على ملايين ومليارات من البشر، أي أنها جعلتهم “فئران تجارب بشرية”، لتعرف كيف نجعل البشر أكثر تفاعلا، كيف نجعلهم يقضون وقتا أطول على المنصة ويتفاعلون معها أكثر، مثلا بمشاركة المنشور مع أصدقائهم، والآن نحن نعيش في عالم “مفرط التفاعل (Hyper-engaged)- “.
وفي ظل سهولة الحصول التقنية والولوج إلى المنصات الاجتماعية، فق تفاقمت ظاهرة انفجار الحديث بشكل لا يصدق، ومع هذه الظاهرة الكلامية برز “الرويبضة”، أو ما يحلو تسميته الآن بِـ”المؤثر” أو صانع المحتوى، وهو وصف مخاتل ينطوي على قدر من التهذيب وأدب الكلام غير الجارح، لأنه في الحقيقة يعني حرفيا: (الرجل التافه الذي يتكلم في أمر العامة)، مع حفظ الاستثناءات القليلة، فهذا على الأرجح، هو زمن الرويبضة الذي أخبرنا عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، نعيشه بتفاصيله، فكم من جاهل تافه، يُحدٌّث الملايين من وراء الشاشات، ويتكلم في السياسة و الاقتصاد والتاريخ والاستيراتيجيا والطب والاجتماع وعلم الفلك، وعلم المواريث وعلم الحديث، وهو لا يعدو كونه دَعِيّ جهول “يرمي زخرف القول غرورا“.
في ظل هذا الوضع، صار الوعي شكلا من أشكال النفي والغربة، بل هما صنوان، لاسيما في المجتمعات الخاضعة لسلطة القطيع وعقليته وسلوكه؛ في الشارع، وفي الأسواق، وفي المساجد، وفي المرافق العامة وأماكن العمل، وبخاصة اليوم على المنصات الاجتماعية التي قلبت المعايير رأسا على عقب، واغتالت المرجعيات والمعايير والقيم والقدوات وقبرتها تحت ردوم “التريندات” و مقاطع الفيديو القصيرة (Vlog) التي ينتجها من يسمون أنفسهم بالمؤثرين وصناع المحتوى، اللاهثون وراء وهم الشهرة والربح، بعد أن استحالت المجتمعات اليوم إلى مجتمعات تُمجِّد المادة و تتعبد بعشق أصحاب المكانة، مجتمعات تتفشى فيها الفوضى واللاعقلانية، وتسوقها لوثة من الجنون المحموم بالظاهر المخادع على حساب الجوهر النقي، مجتمعات مولعة بالقشور بدلا عن اللب، وبالطقوس أكثر من الإيمان، وبالتفاهة والحماقة عوضا عن الجدية والتعقل، ولعل هذه البيئة الطارئة التي تعرف تدني الذوق وفساد الذائقة وغياب المعنى لدى طيف واسع من فرديات المجتمع، هو حتما ما يمُد المؤثرين بالحياة ويزيد من انتشارهم ويغذي نزقهم في توسيع دائرة التفاهة، وإنه لأمر مُستغرب فعلا، فكيف لعاقل(ة)، أن يفتتن بتافه أو تافهة، أو مجموعة من التافهين، الذين لا يضيفون لرصيده الفكري والمعرفي والأخلاقي شيئا يذكر، بل يخربون بدلا عن ذلك سلوكه ووعيه ونظرته السوية للحياة، بفعل العدوى التي تنشرها الشبكات الاجتماعية، لا سيما إذا ركب الموجة أشخاص يبحثون عن تحقيق أعلى نسبة للمشاهدة للمحتوى الذي يقدمونه، حتى وإن تحتم الأمر عرض صور وفيديوهات مزيفة. ومحتوى مخل بالأخلاق والذوق والعقيدة.
المؤثرون الحقيقيون في المجتمع لا يثرثرون تحت الأضواء الكاشفة وعدسات كاميرات الهواتف النقالة، لأن تأثيرهم نابع بالأساس، من حس إنساني أصيل ورسالة نبيلة يبتغون نشرها ومقصد كبير يرومون الوصول إليه، فتراهم لا يتأنقون قبل الظهور، ولا يقومون بإجراء تعديلات على إعدادات كاميرا الهاتف ليبدون في أبهى حلة حتى يتصدرون”التريند”، فتراهم يقومون بأفعال حقيقة وتأثير إيجابي، لأن فطرتهم سليمة وحسهم الإنساني عال جدا و قيمهم التي تربوا عليها دفعتهم للإتيان بفعل لا يقوم به إلا الإنسان الذي تفيض روحه خيرا وحبا للناس، وهذا النوع من الأشخاص هم الذين من واجبنا أن نحتفي بهم، لأنهم دليل على الخيرية ونظافة القلب التي تكاد “تنقرض” في مجتمعنا، و هم صورة جميلة عن شباب يخاطرون بأنفسهم لإنقاذ الأرواح، كما حدث مع الحرائق الأخيرة، صورة مناقضة لواقع بات يرعبنا بانتشار مظاهر الاعتدءات و عدم احترام حياة الآخرين وتقلص القدوات الصالحة.
إنها لمَنَاحة عظيمة تنعي الإنسان والعلم و الذائقة المتوهجة، في هذا الزمن السامري، الذي يُرفع فيه شأن التافهين والأدعياء والجهلة والمتلونين، ويُستعدى ويُستبعد أصحاب العلم والرأي والحكمة، زمن صارت فيه مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي هي التي تحدد لمستخدميها أولويات التصفح ونوعية الموضوعات المُثارة للنقاش، فأصبحت تفرض نفسها كصانعة للرأي و الاتجاهات والسلوكات في المجال الافتراضي، الذي يغلب عليه التلقي العاطفي والتسطيح، مع انعكاس ذلك كله على واقع الناس وحياتهم الحقيقية، لذلك وجب القول بضرورة اعتدال الناس في التعامل مع هذه المواقع والمنصات، ومقاومة إغراءاتها الجارفة التي تضخم غريزة حب الذات وإظهارها للغير في كل حالاتها وأمزجتها، والاحتفاظ ببعض الخصوصية بعيدا عن المرئية والتكشف باستخدام الصور والسيلفي والمنشورات الفرجوية، مع عدم الانهمام بالموضوعات والقضايا التي تشغلهم بشكل مبالغ فيه، وقد تضرهم أكثر مما تنفعهم، والأهم من ذلك كله، هو عدم الانسياق وراء أصحاب المحتوى أو المؤثرين الذين يهدمون ولا يبنون، ويفسدون ولا يصلحون.