الرأي

عقل الدولة الاستراتيجي.. ومستقبل الجزائر للتنمية والإصلاح

سيف الدين قداش
  • 1083
  • 0

لم يعد خافيا أن مسار التقدم وتحقيق التطور لم يكن مجرد اجتهادات فردية معزولة أو مساع بسيطة عفوية، بل هو ثمرة تخطيط محكم، ورؤية إستراتيجية يقودها عقل وطني جماعي، مدعوم بمؤسسات فعالة ومترابطة تقيّم وتقوّم، تحدّث وتعزّز الأداء وفق ما تفرضه التحولات والمتغيرات الإقليمية والدولية.

كل أمة نجحت في الانتقال من الهامش إلى الصدارة، إنما فعلت ذلك بفضل مشروع وطني واضح، وشعب ونخب تملك الرؤية والوعي التاريخي بضرورة التحوّل، كما حدث في التجربة اليابانية والألمانية التي تحدَّث عنها المفكر الكبير مالك بن نبي بأنها كانت تملك “عالم الأفكار” وذلك لم يمنعها بعد دمار الحرب ببناء “عالم الأشياء” من “عالم الأفكار” الذي لا ينضب، أو التجربة الصينية مع “دنغ شياو بينغ” الذي اسلهم نهضة بكين من جزيرة سنغافورة التي كانت معدومة الموارد، ضمن مسار “الإصلاح والانفتاح، أو في ملحمة التحول السنغافوري ذاتها بقيادة “لي كوان يو” من دولة نامية إلى نموذج عالمي في التنمية.

لقد أردت تناول هذا الموضوع اليوم، والجزائر تواجه تحديات جسيمة وتبدي إرادة سياسية واضحة للتحول الاستراتيجي، لكنها مع ذلك لم تنجح منذ عقود في تحقيق التحوّل الفعلي من نموذج الدولة الريعية إلى الدولة التنموية، لهذا فإنه من الضروري -بل من العاجل- تأكيد أهمية وجود عقل استراتيجي مؤسسي يعمل على التحليل والتخطيط والتقييم، ويقود التحول الوطني الشامل باجتهادات أفضل العقول الجزائرية، داخل الوطن وخارجه، وهو العقل الذي يجب أن يُترجم إلى مؤسسات تفكير وتحليل وتخطيط، مركزية ولا مركزية، تؤدّي دورا محوريا في توجيه التخطيط والتنمية الاقتصادية والاجتماعية وغيرهما، برؤى واقعية، وبدائل مبتكرة، وخطط تتماشى مع السياقات المحلية وتواكب الديناميكيات العالمية المتسارعة، حتى تصبح الجزائر في موقع متقدّم وسط عالم يعيد تشكيل موازينه باستمرار.

الدولة المفكِّرة
في أغلب دول العالم، توجد خطط للإصلاح أو التنمية، لكن في بعض الدول لا يمكن لهذه الخطط أن تُرى إلا كوصفة طبيب لم يفهم مريضه بما يكفي، أو لم يتقن بعد فنّ العلاج الذي يستأصل جذور أمراض التخلّف، وربما يرجع ذلك إلى خلل أعمق يتمثل في نقص فادح وفاضح في الرؤية أو غياب الفهم الواعي لمعادلة بالغة التعقيد هي فن قيادة الدولة وصناعة السياسات المتقدمة وتنفيذها بالشكل الأمثل أو وضع الخيارات الإستراتيجية الحاسمة.
وهنا أشار المهندس الفلاحي والمفكر الفرنسي ريني دومون، صاحب كتاب “إفريقيا والبدايات الخاطئة”، الذي كتبه في عام 1966 إلى هذه الإشكالية بدقة، حين حلّل كيف أن كثيرا من بلدان الجنوب -وفي مقدمتها دول إفريقيا- دخلت مرحلة ما بعد الاستعمار من دون مشروع وطني ناضج، ولا تصوُّر استراتيجي متكامل، بل بخرائط مؤسسات موروثة، وذهنيات إدارية مأزومة، وتعليم تقني مفكَّك بلغة غريبة عن روح المجتمع أو منطق العصر (لغته الإنجليزية)، وفكر سياسي لم يتجاوز منطق اللحظة والانفعال.
وما زاد الأمر تعقيدا هو افتقاد هذه الدول إلى منظومات تفكير وتخطيط مؤسسية تتمتع بالكفاءة، والقدرة على بلورة رؤى مستقبلية عابرة للدوائر الوزارية والفترات السياسية؛ أي إلى ما يُعرف في الأدبيات الحديثة بالدولة المفكّرة “Think Tank State” ذات المشروع المستدام العابر للرؤساء والمراحل السياسية، وهي الدولة التي لا تكتفي بإدارة الشأن العامّ بشكل روتيني أو انفعالي، بل تؤسس لنفسها بُنى تفكير مؤسسية وأدوات تقييم وتخطيط تجمع البيانات والسياسات وتُخضعها للتحليل العميق لترتد بعد ذلك إلى حلول على الأرض وخيارات للإصلاح والتطوير مع تحليل الاتجاهات، واستشراف المستقبل، وبلورة البدائل الإستراتيجية.

أشار المهندس الفلاحي والمفكر الفرنسي ريني دومون، صاحب كتاب “إفريقيا والبدايات الخاطئة”، الذي كتبه في عام 1966 إلى هذه الإشكالية بدقة، حين حلّل كيف أن كثيرا من بلدان الجنوب -وفي مقدمتها دول إفريقيا- دخلت مرحلة ما بعد الاستعمار من دون مشروع وطني ناضج، ولا تصوُّر استراتيجي متكامل، بل بخرائط مؤسسات موروثة، وذهنيات إدارية مأزومة، وتعليم تقني مفكَّك بلغة غريبة عن روح المجتمع أو منطق العصر (لغته الإنجليزية)، وفكر سياسي لم يتجاوز منطق اللحظة والانفعال.

ومن أبرز ملامح الدولة المفكِّرة أنها لا تُنتج القرار السياسي في فراغ أو تحت ضغط اللحظة أو الأزمة، بل ضمن منظومة عقلانية تعتمد التفكير الاستراتيجي والتخطيط المسبق، ويتجلى ذلك أولا في امتلاك مراكز تفكير “Think Tanks” مستقلة أو شبه حكومية متماهية مع مصلحة الدولة ومستقبل الشعب لا سردية صاحب القرار، إذ تمارس دورا فعالا في تغذية صانع القرار بالأفكار والبدائل المدروسة، إلى جانب ربط القرار السياسي بالبحث العلمي والمعرفة التقنية المتخصصة، بما يضمن تأسيس السياسات على أسس موضوعية لا على الانطباعات أو المزاج السياسي.
كما تتميز هذه الدولة بترسيخ ثقافة مؤسسية للتقييم والتقويم، تُقيّم الأداء وتُراجع المسارات بصورة منتظمة مع أريحية لقبول النقد وتغيير الأشخاص والسياسات الخاطئين، مع قدرة على استشراف التحديات قبل وقوعها بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات بعد تفاقمها، وهي أيضا دولة تؤمن ببناء السياسات على الأدلة والمعطيات الواقعية”Evidence-Based Policies” بدل الانجرار خلف الديماغوجية أو التوجُّهات الظرفية، وتعتمد على تكامل المعرفة المحلية مع الخبرات الدولية في بلورة رؤى وطنية تتسم بالواقعية والفاعلية.

تنظيم العقل في خدمة القرار
وقد لخّص هذا الاتجاهَ الاستراتيجي المفكرُ الأميركي هارولد لاسويل، مؤسس علم السياسات العامة، حين شدّد منذ منتصف القرن العشرين على أن الدولة الحديثة ينبغي أن تتبنى “تنظيم العقل في خدمة القرار”، وهي عبارة تختصر جوهر الدولة المفكِّرة أي الدولة التي تُسند الحكم إلى التفكير، لا إلى المزاج أو المصادفة.
والفارق الجوهري بين من “يدير الأزمة” ومن “يصنع المستقبل” هو وجود منظومات للتفكير الاستراتيجي، تعمل كجهاز عصبي للدولة، تُحدّث الرؤى، وتصحّح المسارات، وتربط النخبة العلمية والإدارية بصنّاع القرار، وهو ما تحتاجه الجزائر اليوم أكثر من أي وقت مضى، في لحظة إقليمية ودولية يعاد فيها رسم خرائط النفوذ والموقع الاقتصادي والاستراتيجي.

عقل الصين الاستراتيجي
في قلب النظام الصيني، تُعدّ “لجنة التنمية والإصلاح الوطنية – “NDRCالعقل المدبر للتخطيط الاقتصادي والاجتماعي، إذ لا تعد هذه اللجنة فقط جهازا حكوميا، بل تمثل الذراع الأقوى للإدارة الاقتصادية الكلية في الصين، وتحتل موقعا رفيعا كثالث أعلى جهة تنفيذية داخل مجلس الدولة.
وقد تأسست لأول مرة عام 1952، في بدايات تأسيس الدولة الشيوعية الجديدة، بهدف تخطيط مستقبل الصين، لكن آنذاك كانت أدواتها أقرب إلى الطابع السياسي منها إلى المنهج العلمي، مما قلَّل من فاعليتها في تحقيق الأهداف التنموية، ورغم ذلك لم تُلغَ في مرحلة التحولات الكبرى التي قادها دينغ شياو بينغ عام 1978، بل أعيد النظر في دورها وهيكلها لتواكب الرؤية الإصلاحية الجديدة.
بمرور الوقت، أصبحت اللجنة تضطلع بمسؤوليات ضخمة، منها صياغة الاستراتيجيات الوطنية والخطط الاقتصادية والاجتماعية، سواء بعيدة المدى أو سنوية، إلى جانب رسم سياسات الصناعة والأسعار لضمان توازن التنمية في البلاد، وغالبا ما توصف بأنها “دولة مصغرة” داخل الدولة، نظرا لما تملكه من أدوات تأثير على مجمل مسار الاقتصاد والتنمية في الصين.
وفي عام 2003، خضعت اللجنة لعملية إعادة هيكلة عميقة، في سياق إصلاح شامل للمؤسسات الحكومية، وجرى خلالها دمج صلاحيات من هيئات اقتصادية متعددة داخل اللجنة، مما عزز موقعها كمركز توجيه للنمو الصناعي وتوزيع الاستثمارات، ومن مهامها الأساسية اليوم؛ إصدار القرارات المتعلقة بالسياسات الصناعية في مجالات الطاقة والنقل والإنتاج، وإدارة نظام استثمار الأصول الثابتة، وإطلاق مبادرات تنمية المناطق مثل تنمية غرب الصين، والإشراف على سياسات ضبط الأسعار وتحقيق العدالة الاقتصادية…
كما تؤدّي اللجنة أيضا دورا تحليليا هاما، إذ تجمع البيانات الاقتصادية وتنتج دراسات الاقتصاد الكلي الصيني”Macroeconomic studies”، والتي تُرفع للجهات المعنية بهدف التنسيق الموحد للسياسات بين مختلف القطاعات الحكومية.

كوادر بشرية ضخمة
تضم اللجنة أكثر من خمسة آلاف موظف رسمي في مقرها الرئيسي ببكين، بالإضافة إلى شبكة من عشرات الآلاف من الخبراء والمستشارين، وتتوزع هذه القوة البشرية على 31 مكتبا ولائيا تغطي جميع المقاطعات والمناطق ذاتية الحكم، إلى جانب مكاتب قطاعية متخصصة في مجالات حيوية تشمل الطاقة، والنقل، والابتكار، والأمن الغذائي، الرقمنة، ومكافحة الفقر، وتتكامل هذه المنظومة البشرية مع فرق تنسيق تعمل داخل الوزارات المختلفة، بما يضمن ترابط السياسات عموديا وأفقيا على مستوى الدولة.

منظومة استشارية مرنة
ترتبط اللجنة بمئات الخبراء الخارجيين من كبار الأكاديميين والممارسين المحليين والدوليين، ويُستعان بهم من خلال ما يُعرف بـ”المشاورات المؤسسية”، إذ يُشكلون لجانا دائمة أو مؤقتة لصياغة السياسات الكبرى، وتُمكّن هذه الآلية اللجنة من دمج الخبرة العلمية بالتخطيط التنفيذي، وتمنحها قدرة استباقية في التعامل مع التحديات المستقبلية.

شبكة المعاهد والمراكز التابعة
معهد بحوث التنمية : DRC يُعدّ الذراع التحليلي الأهم للجنة، ويضطلع بدور محوري في تقييم القضايا الإستراتيجية مثل التغير المناخي، والشيخوخة السكانية، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب دراسة انعكاسات السياسات الدولية على الداخل الصيني، كما يساهم المعهد في صياغة رؤية الصين في الاقتصاد العالمي، ويُعدّ مصدرا رئيسيا لمدخلات القرارات الحكومية.

الفارق الجوهري بين من “يدير الأزمة” ومن “يصنع المستقبل” هو وجود منظومات للتفكير الاستراتيجي، تعمل كجهاز عصبي للدولة، تُحدّث الرؤى، وتصحّح المسارات، وتربط النخبة العلمية والإدارية بصنّاع القرار، وهو ما تحتاجه الجزائر اليوم أكثر من أي وقت مضى، في لحظة إقليمية ودولية يعاد فيها رسم خرائط النفوذ والموقع الاقتصادي والاستراتيجي.

مركز تبادل المعلومات الاقتصادية :CEIC يعمل هذا المركز كمنصة بيانات إستراتيجية، تتابع الأداء الاقتصادي اليومي، وتُصدر تقارير إنذار مبكر تُستخدم في أوقات الأزمات أو التعافي الاقتصادي، كما يُوفّر معلومات دقيقة لصنّاع القرار، بما يعزز قدرة الحكومة على التحرك السريع والمبني على معطيات.
مراكز أبحاث قطاعية متخصصة: تشرف اللجنة على مراكز متخصصة أبرزها مركز أبحاث الطاقة الوطنية”NEIR” الذي يضع استراتيجيات التحول الطاقوي حتى عام 2060 لتحقيق الحياد الكربوني، ومركز أبحاث الاقتصاد الرقمي الذي يرصد تطور الرقمنة والذكاء الاصطناعي وتأثيرهما على هيكل سوق العمل، ومراكز دراسات الحزام والطريق التي تقوم بتحليل أثر الاستثمارات الخارجية الصينية من منظور تنموي وجيوسياسي.

آليات العمل وصنع القرار
الاجتماعات التنسيقية العليا: تعقد اللجنة اجتماعات دورية تحت إشراف “المجموعة المركزية للتنسيق الاقتصادي”، التي يرأسها رئيس مجلس الدولة أو أحد نوابه، ويشارك في هذه الاجتماعات كبار مسؤولي الدولة، وممثلون عن الجيش والبنوك الحكومية وقيادات الحزب، وتمثل هذه الاجتماعات العقل الجماعي للسياسات الاقتصادية وتحقق التكامل المؤسسي في صنع القرار.
الاختبار الميداني للسياسات: تُعدّ آلية “التجريب القابل للتوسيع” إحدى أهمّ أدوات اللجنة، وتُطبق سياسات جديدة في مدن نموذجية كـ”شنزن وهانغتشو”، وتُراقب النتائج بدقة قبل تعميم التجربة على المستوى الشامل، وهو ما يقلل من مخاطر التعميم ويُعزز من فعالية السياسات.
البنية الرقمية والتحليل الذكي: طورت اللجنة بنية رقمية متقدمة تعتمد على قواعد بيانات ضخمة تشمل الطاقة، والغذاء، والنقل، والاستثمارات، وسلاسل التوريد وغيرهم، وتُستخدم هذه البيانات في التنبؤ الذكي بالطلب والإنتاج، ورصد الأزمات المحتملة مثل الجفاف أو التضخم الغذائي، إلى جانب دعم إدارة البنى التحتية الحيوية كشبكات السكك الحديدية والطاقة، وتعتمد اللجنة في تحليلاتها على فرق متعددة التخصصات تشمل اقتصاديين، ومهندسين، وخبراء تقنيين ومخططين حضريين، ما يضمن مقاربة شاملة ودقيقة.

الإنجازات الكبرى للّجنة
من أبرز إنجازات اللجنة قدرتها على تحويل الصين من اقتصاد زراعي متأخِّر إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم خلال عقود معدودة، وذلك عبر سلسلة من الخطط الخمسية المتتالية ذات الأهداف القابلة للقياس والمراجعة، كما نجحت اللجنة في إدارة فائض الميزان التجاري واستثمارات الصين الخارجية، إضافة إلى التوجيه الاستراتيجي نحو القطاعات ذات القيمة العالية مثل الطاقة المتجددة، وأشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي.
وقد تولت اللجنة أيضا قيادة مبادرة “الحزام والطريق”، ليس كمشروع جيوسياسي فحسب، بل باعتباره امتدادا لتنمية داخلية وخارجية متوازنة، ما جعلها محور الربط بين الاقتصاد الصيني ومجاله الدولي.

الصلاحيات المؤسَّسية وآليات التنفيذ
تتمتع اللجنة بسلطة إلزامية تُحتّم على كافة الوزارات والمؤسسات الحكومية عرض مشاريعها الكبرى لتقييمها قبل التنفيذ، كما تؤدّي دورا محوريا في التنسيق بين الحكومة المركزية وحكومات الأقاليم، بما يسمح بتوجيه الاستثمارات نحو المناطق الأقل نموا أو القطاعات ذات الأولوية الإستراتيجية، وتساهم هذه الصلاحية في جعل اللجنة ليس فقط أداة تنفيذ، بل جهة توجيهية وتقييمية تضمن استدامة الأهداف الاقتصادية للدولة.

الحضور الدولي والتعاون الخارجي
تُشارك اللجنة في صياغة المبادرات الصينية وتنفيذها على المستوى العالمي، وعلى رأسها مبادرة “الحزام والطريق”، وتدير مشاريع اقتصادية ضخمة في أكثر من 70 دولة، وتنسق مع منظمات مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي، كما تحافظ على علاقات تعاون مؤسسي مع نظرائها في آسيا، وإفريقيا، وأوروبا، وينعكس وزنها الدولي من خلال حضورها الدائم في المحافل الكبرى مثل مجموعة العشرين “G20” ومجموعة بريكس “BRICS”، وتُساهم في صياغة التوجهات الاقتصادية العالمية انطلاقا من المصالح الصينية.

اليابان.. من وزارة إلى عقل استراتيجي
مثلت وزارة التجارة والصناعة اليابانية “MITI” حجر الأساس في الصعود الصناعي الاستثنائي الذي شهدته اليابان خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وقد تحوّلت هذه الوزارة من مجرد جهاز حكومي إلى “عقل اقتصادي جماعي” للدولة، يخطط ويوجه الاقتصاد الياباني بفعالية، ويعدّ دورها من أبرز نماذج “الدولة التنموية”، الذي يمنح الدولة دورا فاعلا في قيادة النمو الاقتصادي والتحديث الصناعي.
تأسست الوزارة في عام 1949، في سياق إعادة بناء الدولة بعد الدمار الذي خلّفته الحرب العالمية الثانية، إذ كانت اليابان دولة فقيرة من الموارد الطبيعية، وتعاني من ضعف في البنية التحتية والصناعة، ولم تعتمد اليابان على آليات السوق الحرة وحدها، بل قررت تبني مقاربة إستراتيجية، تتدخل فيها الدولة لتوجيه الاقتصاد، وتحديد أولويات التنمية، ووضع سياسات صناعية طويلة المدى.
في هذا الإطار، تولّت الوزارة مسؤولية إدارة التجارة، والإشراف على الاستثمارات، وتوجيه الموارد النادرة إلى القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، بدءا من الحديد والصلب، مرورا بالصناعات البتروكيميائية، وصولا إلى التكنولوجيا الدقيقة والإلكترونيات.
وعلى سبيل المثال، حين قرَّرت الوزارة أن صناعة السيارات يمكن أن تصبح ركيزة أساسية للاقتصاد، قدَّمت حماية جمركية، سهَّلت الحصول على التكنولوجيا الأجنبية، ونسَّقت بين الشركات الكبرى لمنع التنافس المفرط بينها، وهكذا وُلدت “تويوتا” و”نيسان” كنماذج عن التصنيع المتطوِّر والمنافس عالميًّا.
وقد تميزت الوزارة بقدرتها التحليلية المتقدمة وباستخدام التخطيط الإرشادي، فكانت تقترح السياسات وتنسّق مع القطاع الخاص، بدلا من فرض الأوامر، كما خلقت علاقة تعاونية وثيقة مع الشركات الكبرى، ومراكز البحث، والجامعات، ما مكّن اليابان من نقل التكنولوجيا الغربية وتطويرها محليا.
كما أدارت عملية التحديث التقني بصرامة وذكاء، فشجّعت الابتكار ووفَّرت الحوافز من دون الوقوع في فخ التبعية، ومع صعود العولمة، تكيّفت الوزارة وتحوّلت إلى جهة تُشرف على اقتصاد المعرفة.

من أجل عقل جزائري استراتيجي
لم نتناول في هذه المساهمة مسألة عقل الدولة الاستراتيجي عبثا، بل بهدف استيعاب التجارب واستخلاص الدروس، ورغم أن المجال لا يتسع لعرض جميع النماذج والأسس، فإننا اليوم كجزائريين مدعوون إلى يقظة عقلنا الاستراتيجي، وإلى تبني التخطيط بعيد المدى، وفق نموذج استرشادي مُحكم، مستدام، ومصمم بعناية لتطوير بلادنا وصناعة نهضتنا.

مقالات ذات صلة