عقيدة “الفرقة الناجية” إذْ تجني على معتنقيها!
عندما زعم أهل الكتاب من اليهود والنّصارى أنّ الخيرية التي كانت لهم قبل أن يعصوا رسلهم ويخالفوهم ويحرّفوا دينهم، ستظلّ ملازمة لهم، وزعموا أنّهم أبناء الله وأحباؤه، ردّ الله عليهم قولهم وأبطل زعمهم في كتابه الخاتم، فقال: ((وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِير)) (المائدة: 18)، وهذه الآية لا تخاطب اليهود والنّصارى وحدهم، إنّما تخاطب كلّ أمّة وكلّ جماعة وكلّ طائفة، بأنْ لا أحد يملك صكا من الله بأنّه سيكون من المكرمين عنده، إلا من شاء الله أن يغفر له ويرحمه، أو من خصّه ببشارة على لسان رسوله الكريم صلّى الله عليه وسلّم.
عقيدة “الفرقة النّاجية” التي ضلّ بها اليهود والنّصارى، سرت في بعض طوائف الأمّة المسلمة قديما وحديثا؛ حتى كان أهل كلّ طائفة منها يقصرون النّجاة على من انتسب إلى طائفتهم، ويتوعّدون من خالف سبيلهم بأنّه من أهل النّار؛ فالشيعة -مثلا- يزعمون أنّهم الفرقة الناجية لأنّهم وحدهم من يوالون علي بن أبي طالب وأهل البيت (!) وغفلوا عن أنّ ولاية أهل البيت لا تكون بالدعاوى ولا باللطم والتطبير والطقوس الغريبة، إنّما باتباع سبيل أولئك الأخيار: يقول الإمام الباقر -عليه رحمة الله-: “أ يكتفي من ينتحل التشيّع أن يقول بحبّنا أهل البيت، فو الله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه… من كان لله مطيعا فهو لنا ولي ومن كان لله عاصيا فهو لنا عدوّ، وما تُنال ولايتنا إلا بالعمل والورع” (الكافي: 02/ 74).
وبإزاء هؤلاء الشّيعة، نجد أتباع الطائفة المدخلية بدورهم يصرّون على أنّ النّجاة تختصّ بمن كان على منهجهم، وأنّهم هم الفرقة النّاجية، أمام 72 فرقة أخرى من فرق الأمّة المسلمة كلّها في النّار! ويستدلّون لشططهم هذا بحديث الافتراق المعروف: “افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة”، وهذا الحديث عند أهل الفقه مخالف لنصوص قرآنية ونبوية كثيرة تؤكّد على أنّ الأمّة المسلمة أمّة مرحومة وأنّها أمّة الشهادة على الأمم الأخرى، وأنّها أكثر أهل الجنّة، فكيف تكون في الافتراق أسوأ من اليهود والنّصارى؟! يقول العلامة ابن الوزير اليماني -توفي رحمه الله سنة 840ه- في “العواصم والقواصم:1/ 186”: “وإياك والاغترار بـ “كلها هالكة إلا واحدة” فإنها زيادة فاسدة، غير صحيحة القاعدة، لا تؤمن أن تكون من دسيس الملاحدة”، وهذه الزيادة التي أشار إليها ابن الوزير (كلّها في النّار إلا واحدة) لا تصحّ كذلك عند المحقّقين من أهل الحديث، بل جزم ابن حزم بأنّها موضوعة.
لو كانت عقيدة الفرقة الناجية تقتصر جنايتها على الجانب الفكريّ التنظيريّ من واقع الطّائفة الشيعيّة والتيار المدخليّ، ربّما كان الأمر هيّنا في حقّ أتباع الطّائفتين وحقّ الأمّة، لكنّها مع كلّ أسف تلقي بكللها على واقعهم العمليّ، فالشيعيّ يوصف بأنّه “مُوالٍ”، ويبشّر بأنّه معفًى من العتاب ناجٍ من العذاب بولاية عليّ رضي الله عنه، وهذا ما يسمعه الشيعة في الحسينيات وعلى ألسنة المعمّمين الذين يستدلّون بحديث منسوب إلى النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- يقول فيه: “حبّ عليّ بن أبي طالب حسنة لا تضرّ معها سيّئة، وبغض عليّ سيئة لا تنفع معها حسنة”(!)، ولهذا تجد الشّيعيّ ليس لديه كبير اهتمام بالطّاعات والقربات من صلوات وذكر وصدقات، لكنّه يهتمّ اهتماما بالغا بالطّقوس التي يظنّها تدلّ على ولاية أهل البيت ومحبّتهم، ثمّ لا بأس عنده بعد ذلك أن يتوسّع في المتعة ومقدّماتها وتوابعها!
في الأوساط المدخليّة، تجد أتباع “الطّائفة” ينظرون إلى كلّ فرد بينهم على أنّه “أخ على المنهج والجادّة”، و”أخْ ما شاء الله”، مهما كان تهاونه في إدراك تكبيرة الإحرام وتثاقله في نوافل العبادات، ومهما كان تقصيره في برّ والديه وصلة أرحامه، ومهما قصّر في إيصال النّفع إلى الآخرين وقعد عن كسب رزقه وظلّ عالة على أبيه وأسرته، ومهما تساهل في الحرص على لقمة الحلال في عمله أو تجارته، ومهما سلّط لسانه على أعراض العلماء والدّعاة والعاملين لدين الله، وأرخى العنان للسانه بالغيبة… مهما كان الفرد المدخليّ على هذه الحال، فإنّه يجد في الأدبيات المدخلية ما يبرّر له واقعه ويريح ضميره، وكيف لا يظلّ مصرا على حاله وهو يسمع منظّري الطّائفة يكرّرون على مسمعه المقولة المشهورة: “أهل السنة وإن قعدت بهم أعمالهم أدركتهم عقيدتهم، وأهل البدع وإن غرّتهم أعمالهم بطّأت بهم عقيدتهم”!
عقيدة الفرقة النّاجية تسوّل للمدخليّ أن ينصر المنتسب إلى طائفته ولو كان ظالما معتديا، ليس بنهيه عن ظلمه وعدوانه، بل بتزكيته وشدّ أزره؛ فلو حصلت خصومة بين مدخليّ ومسلم غير مدخليّ، فإنّك تجد عامّة المدخليين يدافعون عن صاحبهم من دون أن يتحرّوا ويبحثوا في التفاصيل، لأنّ رحم “المنهج” و”الطّائفة” لا تترك أمامهم مجالا للإنصاف!
إنّنا نأسى حقيقة لحال شبابنا الذين وقعوا في شراك هذه الطّوائف، ونتمنّى لهم من خالص قلوبهم أن يثوبوا إلى رشدهم، ويحكّموا محكمات دينهم وعقولهم ويصغوا لنداء الفطرة الذي يختلج في نفوسهم ويهمس فيها أنّ دين الله الحقّ الذي ارتضاه للبشرية لا يصحّ ولا يليق أن يقزّم في بوتقات هذه الطّوائف ويصهر في أدبياتها التي تردّها نصوص القرآن والسنّة المتواترة.. الله -جلّ في علاه- لم يتعبّدنا بالانتساب إلى طائفة من الطّوائف، ولم يربط الفلاح في الدّنيا والنّجاة في الآخرة بالانتماء إلى أيّ طائفة، إنّما ربط الفلاح والنّجاة بالإيمان والعمل الصالح، فقال جلّ شأنه: ((لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا * وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا)) (النّساء: 123- 125).