الرأي

علاقات‭ ‬غير‭ ‬شرعية

الشروق أونلاين
  • 8227
  • 0

أغرب ما يمكن أن يحصل بين الدول والبلدان من علاقات مريبة وغير سوية وغير شرعية..هو القائم بين الجزائر وفرنسا والذي تجسده بخاصة اتفاقيات إيفيان وبنودها السرية واتفاقية سنة 1968 المتعلقة بأوضاع المهاجرين الجزائريين في فرنسا التي يلح الجانب الفرنسي هذه الأيام على مراجعتها وتعديلها ويلح الجانب الجزائري ويصر على الإبقاء عليها كما هي عند توقيعها منذ حوالي 45 سنة على الرغم من أنه لا توجد في العالم اتفاقية أو معاهدة، ثنائية كانت أم متعددة، غير قابلة للتعديل أو المراجعة أو حتى التجميد والإلغاء، مما جعل بيت الزوجية الفرنسي‭ ‬الجزائري‭ ‬يتعرض‭ ‬لهزات‭ ‬عنيفة‭ ‬وصلت‭ ‬فيها‭ ‬الخلافات‭ ‬بين‭ ‬الزوجين‭- ‬ظاهريا‭ ‬على‭ ‬الأقل‭- ‬إلى‭ ‬القمة‭..‬لولا‭ ‬طول‭ ‬العشرة؟

 وإذا كانت أهداف الجانب الفرنسي من التعديل معروفة وواضحة، وهي استعمال ورقة المهاجرين الجزائريين في الضغط على السلطات الجزائرية لتحقيق المزيد من المصالح والمكاسب في الجزائر بأفضلية وفوق القوانين السارية على الاستثمارات الأجنبية من جهة، ومنافسة اليمين الفرنسي المتطرف على أصوات الناخبين الفرنسيين من خلال رفع شعارات معاداة المهاجرين وحرمانهم من الحقوق وحتى دفعهم إلى العودة إلى بلدهم بدعوى الحد من منافستهم للفرنسيين في الشغل والخدمات الاجتماعية..من جهة ثانية، فإن هدف الطرف الجزائري ومواقفه من هذه القضية غير واضحة تماما وتتميز بالتردد وتعمد التضليل والضبابية، كما هي مواقف النظام الجزائري عامة ودائما منذ الاستقلال أمام السياسة الاستعمارية الفرنسية الجديدة في الجزائر، ولا داعي للتذكير هنا بهذه المواقف في قضية مشروع قانون تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر وتمجيد هذا‭ ‬الاستعمار‭ ‬وتكريم‭ ‬قتلة‭ ‬الشعب‭ ‬الجزائري‭ ‬قبل‭ ‬أسابيع‭ ‬في‭ ‬باريس‭.‬
وحتى ولو صرح وزير الخارجية الجزائري السيد مراد مدلسي بأن هذه الاتفاقية “مكسب تاريخي دائم للجزائر لا يمكن مراجعته أو التراجع عنه، بل يجب العمل على دعمه خلال السنة الحالية لأنه يمثل خصوصية العلاقات التاريخية بين البلدين…”، فكأنه ينضم إلى الذين يعتبرون كل ما من شأنه رهن الجزائر للهيمنة والمصالح الفرنسية هو غنيمة حرب غنمتها الجزائر من الوجود الاستعماري في الجزائر، حتى أصبحت اللغة الفرنسية المهيمنة غنيمة حرب وطغيان الثقافة الفرنسية غنيمة حرب والتدخل الفرنسي السافر في الشؤون الداخلية السياسية والاقتصادية للجزائر غنيمة حرب من وجهة نظر بقايا فرنسا من الجزائريين المسيطرين على مفاصل البلاد المستفيدين من هذه الغنائم. وربما نسي وزير خارجيتنا أن هذه الاتفاقية، كبقية الاتفاقيات الفرنسية الجزائرية، مبرمة لتكون خاضعة دائما للمزاج الفرنسي بحيث لا يستبعد أن يدفع هذا الموقف الجزائري‭ ‬المتدلل‭ ‬بالرئيس‭ ‬ساركوزي‭ ‬أو‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬المسؤولين‭ ‬الفرنسيين‭ ‬إلى‭ ‬تجميد‭ ‬أو‭ ‬إلغاء‭ ‬الاتفاقية‭ ‬إياها‭ ‬إذا‭ ‬تطلبت‭ ‬رهانات‭ ‬الانتخابات‭ ‬الرئاسية‭ ‬الفرنسية‭ ‬المقبلة‭ ‬ذلك‭.‬
أما من باب آخر فإن الهجرة الجزائرية في فرنسا ليست على كل هذا القدر من الأهمية من الجانب الاقتصادي، خاصة، بالنسبة للجزائر بالمقارنة بالهجرات والجاليات الأخرى العربية والمغاربية  وغيرها حيث أن ما يمكن أن تساهم به من أموال في بناء الاقتصاد الوطني يبقى في فرنسا أو يحول بما يساهم في تفاقم ظاهرة التضخم في الجزائر. فلماذا كل هذا التركيز هذه الأيام من الدبلوماسية الجزائرية على هذه القضية الجانبية والعمل في نفس الوقت وبكل الوسائل على إرضاء الجانب الفرنسي في قضايا أهم مثل تمجيد الاستعمار الفرنسي في الجزائر والاحتفال به في فرنسا، والوقوف ضد مشروع قانون تجريمه في الجزائر وهو ما قد يشجع السلطات الفرنسية على الإقدام في المرحلة القادمة على سن قانون لتجريم الشعب الجزائري برمته على ثورته على الاحتلال الفرنسي؟. أم في الأمر مجرد محاولة للتغطية على الفشل الذريع والمأساوي للدبلوماسية‭ ‬الجزائرية‭ ‬طيلة‭ ‬العشرية‭ ‬الماضية‭ ‬في‭ ‬ملفات‭ ‬العلاقات‭ ‬الجزائرية‭ ‬الفرنسية‭ ‬وفي‭ ‬غير‭ ‬ذلك؟‭.‬
 

مقالات ذات صلة