اسمع هذا الكلام : لقد شغلتنا أنظمتنا العربية، أكثر من ستين (60) عاما بتداعيات الحرب الباردة، وبأوهام القوميات، وبالحروب الداخلية، والتخويف من "الخطر الأخضر" والإسلام السياسي، وبالحرب على الإرهاب، وبالوضع الأمني حتى تحول الإرهاب إلى "فوبيا" لا فكاك منها.. ثم حكمتنا بحالة الطوارئ (التي تحولت إلى وضع طبيعي في كثير من الأنظمة العربية) بحجة المحافظة على الإستقرار الذي تحول إلى إستقرار على الفساد واستقرار على الغلق المتعمد لجميع المنافذ المؤدية إلى الخلاص الوطني، والإمعان في إحتكار الرأي والقرار..وتدوير السلطة على الحواشي وتوزيع الريوع على البطانة وعلى أجنحة نخب لم تعد قادرة على تقديم أي جديد. لأن القائمين عليها أصحاب عقليات أمنية بامتياز..
والدليل على ذلك أنه كلما نادت الشعوب بحقها في فتح فضاءات الحرية وتكريس الفعل الديمقراطي والتعامل مع الواقع بشفافية والضرب بيد من حديد على مختلسي المال العام، والفصل الواضح بين السلطات..الخ، كلما حصل شيء من ذلك تحججت هذه الأنظمة بالوضع الأمني، ومع إقتناعنا بأن ضمان الأمن والإستقرار مسألة ذات أولوية، إلاّ أننا نرفض تحويلها إلى "شماعة" نغلّق عليها كل مشكلاتنا، ونعلَّق بسببها منافذ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان..ونتفرغ لمكافحة الإرهاب، فيولد الإنسان - في هذه الأقطار- ويعيش ويتزوج ويموت..تحت حالة الطورئ :
- فدولة فرضت على شعبها حالة الطوارئ سنة 1975 ومازالت سارية المفعول،
- وأخرى أعلنت حالة الطوارئ سنة 1981 ومازالت كذلك سارية المفعول،
- وثالثة فعلتها سنة 1992 ومازالت قائمة رغم سقوطها قانونيا
- ورابعة..وخامسة..والنظام الذي لم يلتحق بهذه "الأنظمة الطارئة تعيش" الاستبداد، والطغيان، وبسط النفوذ على السلطة والثروة..
فهل يُعقل أن نتحدث عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وعن الإنتخابات النظيفة والنزيهة، والتداول السلمي على السلطة..ونحن محكومون بحالة الطوارئ؟ وهل هناك حرية تحت الطورارئ؟
إن الطورئ؟ معناها :
- التصرف وفق مفهوم المراحل الإنتقالية،
- التعامل مع المواطنين بعقلية الأوضاع الأمنية
- النظر إلى الجميع على أنهم "مشبوهون" حتى تثبت براءتهم
- التشريع وفق ما تلميه المرحلة الإنتقالية و"الحالة الإستثنائية".
- وكل الحقوق مؤجلة أو منقوصة..حتى ترفع حالة الطوارئ..الخ.
وبمنطق حالة الطوارئ، فإنه كلما قامت إحتجاجات سلمية، تطالب بالحريات وتحسين مستوى المعيشة، ثارت ثائرة القائمين على الشأن العام..ودارت الأسطوانة المشروخة لتذكرَّ الجميع بمفردات "خشبية" صارت ممجوجة: كالتخويف من الإنزلاقات والوضع الأمني، وعودة الإرهاب، والتهديدات الخارجية، والتآمر على أمن الدولة، وأولوية "الكل الأمني" على الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية وعلى الانتخابات..الخ، فإذا أصّرت الجماهير على المطالبة بحقوقها، عن طريق ما هو دستوري وقانوني وديمقراطي..كان الحل السهل هو التحجج بحالة الطوارئ، والتذكير بالنظام، وغلق كل المنافذ المؤدية إلى الحرية والشفافية وحقوق الإنسان والإصلاحات السياسية الشاملة للأوضاع القائمة..وإذا أصّرت هذه الجماهير على مطالبها..كان اللجوء إلى هراوات رجال الأمن، وقوات مكافحة الشغب هو الحل الأسهل..لأنه لا حل "للمشاغبين" إلاّ شق صفوفهم بالإحتراق الأمني وتبديد شملهم بتسخير القوة العمومية..
وقد يكون هذا حقًّا إذا تأكد أن "الفاعلين" مشاغبون..ولكن ليس كل الشعب مشاغبا، وليست كل الأحزاب إنتهازية ومهددة للنظام العام، ولا داعية إلى الفوضى، وما تتحجج به بعض الأنظمة لغلق الفضاءات الديمقراطية مضرّ بالديمقراطية وبالدولة..والشعب هو الضحية الأولى..إذ ليس كل محتجًّ متآمرًا على الدولة، وليس كل منبّه للحكومة بضرورة القيام بواجباتها متآمرا على النظام العام، وليس كل متحدث عن ضرورة مكافحة الفساد "مشوَّها" لصورة الحكومة..وإذا كنا نسلم بأن ثمة من "يركب موجة الإحتجاجات" لتحقيق أغراض شخصية، فإن عمليات "الفرز" سوف تعزل هؤلاء..وشيئا فشيئا يتدرب الناس على آليات اللعبة الديمقراطية، وتنظم الحياة السياسة نفسها بشكل متدرج..فيعرف كل مواطن حقه، وتختفي مظاهر العنف الاجتماعي وأساليب تخريب الممتلكات، والنهب والسلب..ويتعود الناس على المطالبة بحقوقهم بطرق سلمية ديمقراطية.
نعم، هناك أخطاء كثيرة يتحمل مسؤولياتها من كان سببا فيها..، وهناك تجاوزات خطيرة..كانت ناجمة عن غياب الحوار، غياب الثقافة الديمقراطية..لكن غلق المنافذ ومصادرة الحقوق وتضييق الحريات لا يحلّ المشكلات، وإنما يؤجل إنفجارها ويراكم الأحقاد لتتدحرج ككرة الثلج، التي تتضخم كلما دُحرجت، وإذا تضخمت والتصقت بها الشوائب.. يصبح من الصعب تفتيتها أو إذابتها أو التخلص منها إذا لم تشرق عليها شمس الحرية.
وهذا ما حدث في تونس..وبدأت "عدواه" تنتقل إلى أقطار كثيرة لها نفس المواصفات، وتعاني من نفس المشكلات، و"بيئاتها" مناسبة لإنتشار العدوى..
أمام هذا الوضع نجد أن مسؤولياتنا التاريخية تفرض علينا المبادرة بالتنبيه إلى مكامن الخطر، لأن هناك مغالطات كثيرة لابد من تصويبها، لأن بعض الماسكين بزمام الأمور، في بلدان عربية وإسلامية كثيرة، مازالوا "يعتاشون" على هذه "المتناقضات السياسية" فيضربون اليمين باليسار، والمعارضة المتطرفة إسلاميا بالمعارضة المتطرفة علمانيا..ثم إذا ما خلا لهم الجوّ "صنعوا" عداوات جديدة فجعلوا من اليمين يمينا متطرفا وآخر معتدلا، ومن اليسار يسارا علمانيا وآخر وطنيًا..وجعلوا من المعارضة معارضة إيجابية وأخرى سلبية..إلخ، وهكذا تضرب هذه الأنظمة هذا بذاك وتستمر سياسة اللعب على المتناقضات..
نقول : لجميع الأنظمة التي مازال زعماؤها يحلمون بجدوى سياسة القبضة الحديدية أو بفعالية الإستمرار في اللعب على المتناقضات، والترهيب من خطر "الخطر الأخضر"، أو إمكانية الإستمرار بإدارة شؤون الحياة تحت ظل حالة الطوارئ..نقول لهؤلاء جميعا : لقد إنتهت دروس الحرب الباردة، ولقد إندحر الإرهاب..وانتهى معه الدرس الأمني، وشكرا لكل الذين ساهموا في إسترجاع الأمن وضمنوا لإاستقرار للبلد، ونجحوا في تجسيد أحلام الدولة المستقرة، واستطاعوا هنا في الجزائر مثلا – بعبقرية نادرة- أن يعيدوا للدولة الجزائرية زمام المبادرة ويرسموا لها صورة بديعة على نحو صارت معه "نموذجا" عالميا في مكافحة الإرهاب، ونموذجا عالميا في المصالحة الوطنية، ونموذجا عالميا في حشد طاقات شبابها خلف كرة القدم في مونديال 2010.
ومع أن الشكر والتقدير موجه لكل من ساهم في تجسيد هذه الجهود الجبارة، والإعتراف لكل من ساهم في استرجاع السيادة الوطنية، وكل ذلك شيء عظيم وانجازات عظيمة لا يمكن أن تتحقق إلاّ على أيدي عظماء..لكن لابد أن ندرك بحسّ وطني رفيع :
- أن درس المونديال قد إنتهى ، وأن الشباب الذين صنعوا "ملحمة أم درمان" هم أنفسهم الذين خرجوا ليتظاهروا في شوارع المدن الجزائرية متحولين من ملاعب كرة القدم (حيث كانوا حالمين بانتصارات كروية تعيد لهم أمجاد "خيخون")..فلما إنهزمنا تحول هؤلاء الشباب إلى ملاعب الشغل والسكن والزواج والحرية والكرامة..والقائمة طويلة عنوانها الكبير ثلاثة أسطر واضحة :
- إصلاحات شاملة على جميع الأصعدة ترد لهم الإعتبار وتعطيهم أملا في المستقبل.
- إطلاق الحريات ورفع حالة الطوارئ ليعبروا عن أشواقهم في الفضاءات المفتوحة
- تحرير المبادرات وفتح الفضاءات المغلقة ليعيشوا "شبابهم" كما تعيش الشعوب الحرة..هذه هي فقط.. مطالب الشباب..
لقد نجحت الدولة، مع كل أحرار هذا الوطن، في مكافحة الإرهاب ونجحت في مساعي إسترجاع الأمن، وهذا شيء عظيم جدا، ونجحت كذلك في تسديد مديونيتها الخارجية، وهذا إنجاز تاريخي عظيم، ونجحت في تحويل الوطن كله إلى ورشة مفتوحة، وكلها إنجازات لم تعد بحاجة إلى من يتحدث عنها لأنها تتحدث عن نفسها..وتقول : كل هذه المآثر تمت تحت ظل حالة الطوارئ، ونحن نؤكد أن حالة الطوارئ كانت إجراءا تحفظيا حكيما بين 92 إلى 2009، وبعدها تحول إلى شماعة تعلق عليها الإدارة كل أخطائها لتفكيك ما بقي من علاقات بين السلطة والشعب وتيئيس الشباب من كل أمل في المستقبل..وفي التغيير بالطرق السلمية.
إن الناس لا يعيشون طول حياتهم على قرع طبول مكافحة الإرهاب، كما لا يمكن أن تتحول الدولة بكامل طاقاتها وإمكانياتها إلى "ثكنة عسكرية" تتصدى لكل من تسول له نفسه الدعوة إلى حق، أو التذكير بواجب الحكومة تجاه شعبها أمام تطلعات الجيل الجديد من شبابها، أو التعبير عن حالة يأس بطرق قد يتخللها شيء من العنف الاجتماعي، كما أن الناس لا يعيشون بالمديونية المسددة ولا يأكلون الطريق السيار شرق/غرب..وإنما يبحثون – بعد كل هذه الإنجازات- عن ديمقراطية كرامة إفتقدوها، وعن تعددية شاملة لا أثر لها في الميدان..وعن حريات مسؤولة يفجرون في ظلها طاقات الخير فيهم للمساهمة في استكمال بناء الوطن عبر نظام تعددي. فالتعددية لا تتجزأ :
- إما أن نقبلها جملة باقتصادها الليبرالي وسياستها المنفتحة وانتخاباتها الشفافة، وسلطاتها المنفصل بعضها عن بعض وحرية إعلامها وتداول زعمائها على السلطة سلميا..وتنافس أحزابها على تقديم الأفضل لخدمة الشعب..
- وإما أن نرفضها جملة واحدة ونعيش أحلام الأنظمة الشمولية التي تحتكر كل شيء مقابل أن توفر الدولة الشمولية لمواطنيها كل شيء (الإطعام من جوع والآمان من خوف).
هذا هو الوضع الطبيعي للديمقراطية وهذا هو الوضع الطبيعي للأحادية (الاشتراكية الشمولية)، وما نحن فيه هو ديمقراطية نصف نصف، وهذا الوضع كان مبررا بمكافحة الإرهاب بين 92-2008، أما اليوم فقد طوي هذا الملف نهائيا، ووجب أن نختار ديمقراطيتنا بكل سيادة، ونحدد سيادتنا بكل ديمقراطية، إما أحادية (شمولية) بالعودة إلى زمن الحزب الواحد، والعودة إلى الوراء مستحيلة، وإما "ديمقراطية إجتماعية" كما حددها بيان أول نوفمبر 54، وهذا هو الطريق الصحيح، فهل يُسطر شهداؤنا "خريطة طريق" للجزائر منذ أكثر من خمسين (50) عامًا..ثم نأتي نحن من بعدهم فنختلف حولها ونظل نتخبط..ونعيش في "منزلة بين المنزلتين" لا نحن ديمقراطيون فيحاسبنا الشعب على التعددية، ولا نحن نظام شمولي فنحاسب الشعب على تمرده ومطالبته بالحريات وحقوق الإنسان في ظل نظام "طوليتاري" .
فمن نحن؟ وماذا نريد؟.
نحن جزائريون، ونريد الديمقراطية التي تعني حكم الشعب، كما تعني فتح الفضاءات المغلقة لأبناء الجزائر، وإشاعة الحريات بين الناس وإتاحة الفرص أمام الجميع ليتفتق الذهن المبدع وتبرز الكفاءات القادرة على الذهاب بالتنمية وبالديمقراطية بعيدا، ديمقراطية حقيقية وليست مجرد شعارات تظهر في الحملات الانتخابية التي تضع الإدارة شروطها وضوابطها و"تغربل" قوائم المرشحين، وتشرف على إدارتها من بداية الحملة إلى لحظة الفرز وإعلان النتائج..وإذا ما ظهرت إحتجاجات فإن الجواب الجاهز هو قولهم : "أن العدالة أمامكم" والعدالة – كما المجلس الدستوري تماما- جوابهما جاهز، هو قولهم : "كل الطعون ليست مؤسسة" وأن ما صحّ منها "لا يرقى إلى مستوى تغيير النتائج!؟" وبعد الإنتظار الطويل يتم تحويل إسم أو إسمين من قائمة لون سياسي إلى رصيد حزب آخر، وكأن المسألة مجرد "ترضيات" وجبر خواطر.
إن المسألة – كما هو معروف في الأدبيات الديمقراطية- أخطر من أن يحصل هذا الحزب على الأغلبية وذاك يشارك بالأقلية، ثم لما يتواجهان داخل المجالس المنتخبة يجدان نفسيهما بلا برامج ولا "هيبة" ولا صلاحيات..إلاّ رفع الأيدي وخفضها.. إن الديمقراطية مسؤولية وصلاحيات لخذمة الشعب بمضامين إجتماعية..وليست ديمقراطية "فارغة" من مضامينها السياسية:
- فأين صلاحيات التشريع؟
- وأين صلاحيات الرقابة؟
- وأين "هيبة" المنتخب المتحدث باسم الشعب؟