الرأي

على جبهة الصراع الفكري‮: ‬هل لنا أصدقاء؟

محمد سليم قلالة
  • 3049
  • 6

كثيرا ما اعتقدنا أننا لوحدنا في‮ ‬جبهة الصراع الفكري‮.. ‬أنه ليس هناك من بين الغربيين الذين‮ ‬يشاطروننا الرأي،‮ ‬بل من هو متقدم في‮ ‬الطرح على الكثير منا في‮ ‬هذا المستوى‮. ‬كثيرا ما نعتقد أن خوضنا جبهة الصراع الفكري‮ ‬يجب أن‮ ‬يتم فقط من خلال إدراك طبيعة تفكير أعدائنا،‮ ‬في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يقول الواقع أنه‮ ‬ينبغي‮ ‬علينا قبل ذلك أن نعرف كيف‮ ‬يفكر أصدقاؤنا في‮ ‬الطرف الآخر،‮ ‬وكيف نجعل منهم أصدقاء بحق؟

انتهيتُ‮  ‬للتو من قراءة الكتاب الذي‮ ‬أهداه لي‮ ‬صديقي‮ “‬نصر الدين لعرابة‮” ‬المترجم عن الإنجليزية من قبل الكاتب‮ “‬أمير نور‮” ‬بعنوان‮ “‬Comment l’occident a perdu le moyen orient‭ ‬‮”‬،‭ ‬أي‮ “‬كيف فقد الغرب الشرق الأوسط‮” ‬للسياسي‮ ‬البريطاني‮ “‬لورد لوتيان‮” ‬Lord Lothian‮  ‬الذي‮ ‬تولى عدة مناصب سياسية في‮ ‬بلده ما بين سنتي‮ ‬2001‮ ‬و2005‮ ‬من بينها رئيس حزب المحافظين،‮ ‬وكاتب الدولة للشؤون الخارجية،‮ ‬وللدفاع في‮ ‬حكومة الظل،‮ ‬وهو الآن عضو لجنة الاستعلام والأمن بالبرلمان البريطاني‮.‬

‭ ‬وقد لفت الكتاب انتباهي‮ ‬إلى جانب كتاب آخر لنفس المؤلف بعنوان‮ “‬

L’orient et L’occident a l’heur d’un nouveau Sykes-Pcot‭  ‬‮”‬،‮ ‬حيث أشارا معا إلى جانب مهم من الخلفيات السياسية للصراع الفكري‮ ‬يتمثل في‮ ‬ضرورة قراءة فكر الآخر المؤيد لقضايانا وعدم الاقتصار على نقد الفكر المضاد أو التشهير به‮. ‬فهناك أهمية كبرى لقراءة نقد الآخر لذاته وإدراكه لنا من وجهة نظر مدركة لطبيعة الصراع بنفس الإدراك الذي‮ ‬نملك أو أعمق‮.‬

‭* ‬الكاتب هنا‮ ‬يبيّن بأن الطرف الظالم في‮ ‬كل هذا ليس العالم العربي‮ ‬أو الإسلامي،‮ ‬بل الغرب الذي‮ ‬أوصلته سياسته الحالية إلى أن‮ ‬يصبح محاطا بأعداء من كل جانب‮: ‬المسلمون،‮ ‬الصين،‮ ‬أمريكا اللاتينية،‮ ‬أي‮ ‬أنّ‮ ‬ما‮ ‬يدعيه‮ ‬غير صحيح بأن العالم الإسلامي‮ ‬هو الدائرة الحضارية الواحدة التي‮ ‬تواجهه‮. ‬

إننا كثيرا ما نُروج للفكر المعادي‮ ‬لنا من خلال التعريف به دون نقده،‮ ‬أو نقده بحجج‮ ‬غير كافية أو واهية،‮ ‬ولكننا قليلا ما نحاول تسليط الضوء على تلك المواقف النابعة من عمق الدوائر السياسية في‮ ‬الغرب والتي‮ ‬تتقاطع معنا في‮ ‬أكثر من جانب مثلما هي‮ “‬صيحة اللورد البريطاني‮ ‬لوتيان‮”. ‬وقد أشار إلى هذه المسألة الكاتب‮ “‬أمير نور‮” ‬في‮ ‬التقديم الممتاز لهذا الكتاب عندما صنف المواقف الفكرية للغربيين المعاصرين إلى ثلاثة اتجاهات‮:‬

1ــ اتجاه الأعداء المتعصبين الذين من بين رموزهم الأمريكي‮ “‬روبر بروس سبنسر‮” ‬Robert Bruce Spencer‮ ‬الذي‮ ‬لم‮ ‬يكتف بتوجيه اتهامات باطلة إلى الدين الإسلامي‮ ‬في‮ ‬مؤلفه‮ “‬الحقيقة حول محمد‮: ‬مؤسس أكثر الديانات‮ ‬غير المتسامحة في‮ ‬العالم‮” “‬The truth about Muhammad founder of the‮ ‬worlds most intolerant Religion‮”‬،‭ ‬بل شكك حتى‭ ‬في‮  ‬وجود رسول للمسلمين‮ (‬ص‮) ‬في‮ ‬كتابه‮ “‬هل وجد محمد،‮ ‬تحقيق حول الجذور الغامضة للإسلام‮”… ‬وكذلك القس الأمريكي‮ “‬جون شارلز هاغي‮” ‬John Charles Hagee‮ ‬المعروفة خطبه الموجهة للملايين،‮ ‬بتأييد الصهيونية والعداء الصريح للإسلام والمسلمين‮…‬

2ـ اتجاه منظري‮ ‬صدام الحضارات،‮ ‬الأقل عداء ولكن الأكثر تشكيكا في‮ ‬الحضارات‮ ‬غير الغربية ومن بينها الإسلامية،‮ ‬والأكثر تركيزا على تفوق الحضارة الغربية على بقية الحضارات بشكل دائم ومستمر‮. ‬ومن بين رموز هذا الاتجاه‮ “‬برنارد لويس‮” ‬المؤرخ البريطاني‮ ‬ـ الأمريكي‮ ‬الذي‮ ‬يعد الأول الذي‮ ‬استخدم عبارتي‮ ‬صدام الحضارات والأصولية الإسلامية‮ ‬‭(‬Fondamentalisme Islamique‭) ‬في‮ ‬كتابه‮ “‬جذور الغضب الإسلامي‮” ‬The roots of Muslim rage‮. ‬وكذلك‮ ‬ينتمي‮ ‬على هذا الاتجاه صمويل هتنغتن صاحب الكتاب الشهير‮ “‬صدام الحضارات‮” ‬le choc des civilisations‮ ‬الذي‮ ‬اعتبر فيه أن المشكل الأساس بالنسبة للغرب ليس الأصولية الإسلامية إنما الإسلام كحضارة التي‮ ‬يشعر المنتمون إليه بتفوقهم الثقافي‮ ‬على الغرب وحاجتهم إلى القوة‮. ‬كما‮ ‬ينتمي‮ ‬إلى هذا الاتجاه المؤرخ البريطاني‮  “‬نيال فارغوسون‮” ‬Niall‮ ‬Ferguson‭  ‬الذي‮ ‬يعد من الذين أثاروا مخاوف الغربيين من كون أوروبا ستتحول إلى أوروبا العربية‮ “‬Eurabie‮” ‬في‮ ‬كتابه‮ “‬حرب العالم،‮ ‬حقبة حقد التاريخ‮” ‬الصادر سنة‮ ‬2006‮.‬

3‭ ‬ـ اتجاه دعاة الحوار أو الأصدقاء الذين‮ ‬يرفضون الأفكار الآنفة الذكر،‮ ‬ويقدمون طروحات أكثر موضوعية تجاه العالم العربي‮ ‬والإسلامي،‮ ‬ومن بين هؤلاء الكاتبة البريطانية‮ “‬كارين أرمسترونغ‮” ‬صاحبة مؤلف‮ “‬محمد رسول لزماننا‮” ‬‭ ‬Prophet for Our Time‮ ‬a‮ ‬Mohammad‭ ‬والأمريكي‮ “‬جاون لوي‮ ‬أسبوزيتو‮” ‬John louis Esposito‮ ‬صاحب كتاب‮ “‬مستقبل الإسلام‮” ‬و”اللورد لوتيان‮” ‬الذي‮ ‬رأينا أهمية الإشارة إلى أهم أفكاره في‮ ‬هذه الحلقة عن الصراع الفكري‮.‬

فماذا‮ ‬يطرح؟

يرى الكاتب أن الهيمنة الغربية أرادت أن تكون شاملة وكاملة على العالم الإسلامي‮ ‬منذ سقوط الخلافة،‮ ‬في‮ ‬البداية قادت هذه الهيمنة القوتان التقليديتان فرنسا وبريطانيا‮  ‬اللتان خانتا العالم العربي‮ ‬بإبرامهما اتفاقيتي‮ ‬سايك بيكو سنة‮ ‬1916،‭ ‬حيث تم بموجبها تقسيم البلاد العربية إلى دويلات تحت نفوذهما المباشر أو‮ ‬غير المباشر،‮ ‬ثم خانتاه بإعلان وعد بلفور سنة بعد ذلك والذي‮ ‬كان بمثابة البذرة الأولى لإقامة الكيان الإسرائيلي‮… ‬إلا أن هيمنة هاتين الدولتين استمرت في‮ ‬التراجع إلى أن فقدتا تماما مكانتهما في‮ ‬المنطقة مع بداية التسعينيات لصالح الولايات المتحدة الأمريكية التي‮ ‬كادت تُشكل ما بين سنتي‮ ‬1990‮ ‬و2008‮ ‬تكتلا أوروأطلسيا متينا تحت قيادتها مع وجود‮ “‬إسرائيل‮” ‬كرأس حربة‮ ‬غربي‮ ‬في‮ ‬الشرق الأوسط،‮ ‬إلا أنها فشلت في‮ ‬ذلك كما فشلت في‮ ‬العراق وأفغانستان،‮ ‬ومُنع التكتل من أن‮ ‬يبقى متماسكا‮.‬

‭* ‬يؤكد الكاتبُ‮ ‬أن أكبر‮ (‬الفظاعات‮) ‬horreurs‮  ‬les‭ ‬وأصناف الرعب إنما كان مصدرها أنظمة لائكية محضة وليست إسلامية‮: ‬ليوبولد الثاني‮ ‬البلجيكي‮ ‬في‮ ‬الكونغو،‮ ‬وهتلر وموسوليني‮ ‬في‮ ‬الحرب العالمية الثانية،‮ ‬ولينين وستالين في‮ ‬الاتحاد السوفياتي‮ ‬سابقا،‮ ‬وماوتسي‮ ‬تونغ‮ ‬في‮ ‬الصين،‮ ‬وبول بوت في‮ ‬كمبوديا‮…‬

فالكاتب هنا‮ ‬يبين بأن الطرف الظالم في‮ ‬كل هذا ليس العالم العربي‮ ‬أو الإسلامي،‮ ‬بل الغرب الذي‮ ‬أوصلته سياسته الحالية إلى أن‮ ‬يصبح محاطا بأعداء من كل جانب‮: ‬المسلمون،‮ ‬الصين،‮ ‬أمريكا اللاتينية،‮ ‬أي‮ ‬أن ما‮ ‬يدعيه‮ ‬غير صحيح بأن العالم الإسلامي‮ ‬هو الدائرة الحضارية الوحيدة التي‮ ‬تواجهه‮. ‬عكس ذلك‮ ‬يبرز الكاتب أنه من بين الأسباب الحقيقية للصراع هي‮ ‬المسائل التاريخية الكبرى،‮ ‬وجيوسياسية التاريخ الإنساني،‮ ‬والأسباب العرقية فضلا عن الرغبة الجامحة للحصول على الموارد والمال مما ولّد أسبابا أخرى للصراع ككره الأجنبي،‮ ‬الأمبريالي،‮ ‬الغازي‮… ‬الخ‮.‬

ولتأكيد هذا‮ ‬يشير الكتاب إلى مدافع آخر عن المسلمين‮ “‬غراهم فولر‮” ‬Graham E Fuller‮ ‬الذي‮ ‬ألف كتابا بعنوان‮ “‬عالم بدون إسلام‮” ‬في‮ ‬سنة‮ ‬2008‮ ‬يطرح فيه السؤال التالي‮: ‬هل سيكون العالم أفضل لو افترضنا عدم وجود الإسلام؟ ويجيب بشيء من التفصيل عندما‮ ‬يقول أن أكبر‮ (‬الفظاعات‮) ‬horreurs les،‮ ‬وأصناف الرعب إنما كان مصدرها أنظمة لائكية محضة وليست إسلامية‮: ‬ليوبولد الثاني‮ ‬البلجيكي‮ ‬في‮ ‬الكونغو،‮ ‬وهتلر وموسوليني‮ ‬في‮ ‬الحرب العالمية الثانية،‮ ‬ولينين وستالين في‮ ‬الاتحاد السوفياتي‮ ‬سابقا،‮ ‬وماوتسي‮ ‬تونغ‮ ‬في‮ ‬الصين،‮ ‬وبول بوت في‮ ‬كمبوديا‮ (‬قتل هذا الأخير‮ ‬1‭.‬7‮ ‬مليون معارض كمبودي‮ ‬أي‮ ‬خمس السكان‮) ‬هؤلاء هم أكثر البشر الذين أقحموا البشرية في‮ ‬حروب دموية لم‮ ‬يعرف التاريخ لها مثيلا في‮ ‬مستوى التخريب والتحطيم والظلم‮.‬

هل هذا من صنع الإسلام؟ بلا شك لا‮… ‬يجيب المؤلف قبل أن‮ ‬يواصل في‮ ‬تحليله لواقع العالم الإسلامي،‮ ‬وكيف أن الغرب هو من‮ ‬يمارس القتل والظلم،‮ ‬وهو من‮ ‬يرفض نتائج الانتخابات الديمقراطية،‮ ‬ويزكي‮ ‬الانقلابات العسكرية ولا‮ ‬يعير قيمة لأرواح الأبرياء‮… ‬وهو ما سنبيّنه بتفصيل أكبر في‮ ‬الأسبوع المقبل بحول الله،‮ ‬ونحن نسعى لتفكيك فواعل جبهة الصراع الفكري‮… ‬لنميز بين أعدائنا وأصدقائنا‮…‬

مقالات ذات صلة