-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
النخيل القزم النادر في العالم متواجد بالمنطقة

عمارة مشلفخ… عاشق الجبال الذي يكشف أسرار مسعد وكنوزها

ربورتاج: عمارة نورين
  • 167
  • 0
عمارة مشلفخ… عاشق الجبال الذي يكشف أسرار مسعد وكنوزها

في مناطق الجنوب، حيث تتعانق الجبال مع السماء، وتتلوى الأودية بين الصخور، وتنسج الطبيعة لوحاتها بعيدا عن صخب المدن وضجيج الحياة اليومية، يخوض عمارة مشلفخ مغامراته الخاصة، بحثا عن الجمال المختبئ في ثنايا المكان، وعن أسرار لا تكشفها إلا الأقدام التي اعتادت السير في المسالك الوعرة والعيون التي تجيد قراءة تفاصيل الطبيعة.

هناك، بين المنحدرات الصخرية والمرتفعات المتعاقبة، يجد عمارة ضالته، يحمل كاميرته أو هاتفه النقال، ويتخذ من خطواته رفيقا في رحلة لا يعرف فيها الملل طريقا إليه، يتوقف عند صخرة أثارت فضوله، ويتأمل نبتة نبتت بين الشقوق، ثم يمضي نحو أفق جديد، وكأن الجبال في كل مرة تبوح له بسر مختلف، بالنسبة إليه، ليست الرحلة مجرد تنزه، بل مغامرة لاكتشاف الجمال وتوثيق ذاكرة المكان وتستأثر المناطق الجنوبية من ولاية مسعد باهتمامه، خصوصا نواحي سلمانة ومسعد وعمورة ودلدول، حيث تمتد المساحات الطبيعية في مشاهد تجمع بين خشونة التضاريس وسحر التكوينات الصخرية، هنا، لا تقتصر الحكاية على الجبال والأودية، بل تتجاوزها إلى شواهد تاريخية وآثار قديمة، تحمل بصمات الإنسان الذي مر بهذه الأرض وترك بعضا من ذاكرته محفورا في صخورها.

وفي إحدى مغامراته، كانت الوجهة من مسعد نحو دلدول، في رحلة على الأقدام سرعان ما تحولت إلى اختبار حقيقي للقدرة على الاستكشاف، تشابهت المسالك، وتداخلت معالم الطريق، وأصبحت العودة إلى الوجهة الصحيحة أكثر صعوبة، قبل أن يظهر أحد سكان المنطقة، فيرشد المجموعة إلى الطريق المؤدي إلى مقصدها، وبعد عناء السير، انكشفت أمامهم منطقة دير النخل، ذلك المكان الذي يبدو وكأنه اختبأ طويلا بين أحضان الجبال، بعيدا عن أعين الزوار.

ما إن تقترب من دير النخل حتى تفرض الطبيعة حضورها بتفاصيلها المتفردة، صخور متراكمة، ومسالك ضيقة تتخللها الحجارة، ومنحدرات تجعل الوصول إلى بعض المواقع مغامرة في حد ذاتها، لكن المشقة تتراجع أمام سحر المشهد، حيث تتخذ الجبال أشكالا متباينة، وترسم عوامل الطبيعة على واجهات الصخور ملامح تبدو أحيانا أقرب إلى أعمال النحت.

فصخرة تتخذ هيئة رأس إنسان، وأخرى توحي بشكل حيوان، وثالثة تبدو كأن يد فنان قد مرت عليها، بينما لا تعدو هذه الأشكال أن تكون ثمرة سنوات طويلة من تأثير الرياح والأمطار وعوامل التعرية، وبين هذه التكوينات، تتجلى قدرة الطبيعة على تحويل الجماد إلى مشاهد تثير الخيال وتفتح الباب أمام التأمل.

سنوات من التجوال

غير أن أكثر ما يستوقف الزائر في هذا المكان هو النخيل القزم، الذي يشكل إحدى أبرز خصوصيات دير النخل، أشجار قصيرة القامة، لا يتجاوز ارتفاعها، حسب وصف عمارة مشلفخ، 1.2 متر، لكنها تحمل من التميز ما يجعلها محط اهتمامه واهتمام كل من يكتشفها، ويتحدث عمارة عن خصائص ثمارها النادرة، مشيرا إلى أنها تتميز بغياب النواة، ومتداولا روايات محلية بشأن فوائدها الصحية، وهي معلومات تحتاج إلى توثيق علمي مستقل، خاصة ما يتعلق بخصائصها العلاجية ومدى انتشار هذا النوع في مناطق أخرى.

سنوات من التجوال جعلت عمارة مشلفخ أكثر ألفة مع تضاريس المنطقة، لكنها لم تعفه من المفاجآت، فقد عرف معنى أن يطول الطريق، وأن تتشابه المسالك حتى يفقد المرء اتجاهه، وأن يداهم الليل المسافر قبل بلوغ وجهته، فيضطر إلى قضاء ساعات في العراء، تحت سماء مفتوحة تتلألأ فيها النجوم بعيدا عن أضواء المدن.

ومع كل مغامرة، يزداد تعلقه بهذه الأرض، ويصبح أكثر حرصا على تسجيل مشاهدها ونقل تفاصيلها إلى الآخرين، مؤمنا بأن كثيرا من المواقع الطبيعية في ولاية مسعد لا تزال مجهولة لدى الجمهور، رغم ما تختزنه من مناظر خلابة وتنوع بيئي وشواهد تاريخية.

ومن دير النخل، حيث تتجاور الصخور الغريبة مع النخيل القزم، تتجدد رحلة عمارة مشلفخ نحو وجهات أخرى، لا يحمل إليها سوى شغفه بالاكتشاف ورغبته في توثيق ما تخبئه الجبال من جمال، إنه يرى في كل مسلك حكاية، وفي كل صخرة صورة، وفي كل رحلة فرصة جديدة للتعريف بكنوز طبيعية تستحق أن ترى وتصان. فجبال مسعد، في نظره عالم مفتوح على الدهشة، لا يمنح أسراره إلا لمن يقترب منه، ويصغي إلى تفاصيله، ويمنحه الوقت الكافي لاكتشافه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!