الرأي
تعليمة جديدة لحماية المقترضين ومنع تضخيم تكلفة التمويل:

عمقُ هرمز في فلسطين أيضا

محمد سليم قلالة
  • 363
  • 0

في الوقت الذي مازالت أخبار مضيق هرمز وأحيانا حتى الحرب في أوكرانيا تتصدر الأحداث، تَحدثُ انتهاكاتٌ مروِّعة في حق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية وخاصة في سجون الاحتلال، ومع ذلك بات الحديث عنها قليلا أو لا يتصدر الأحداث. وينبغي التنبيه إلى ذلك باعتبار القضية الفلسطينية هي القضية الأم في كل هذا الصراع، وباعتبارها السبب الحقيقي لكل الحروب التي حدثت في الشرق الأوسط أو ستحدث مستقبلا.
لماذا تُغطي النتائج السبب الجوهري؟ هل كان الاعتداءُ على إيران سيجري لو لم تكن هناك معركة طوفان الأقصى واشتعال جبهتي لبنان واليمن؟ هل مضيق هرمز كان سيتحول إلى ما هو عليه الآن لو لم يكن له علاقة مباشرة بالقضية الفلسطينية؟ لماذا يُفصَل بين السبب والنتيجة إلى حد الآن؟ ولماذا يجري الغوص في تفاصيل تقنية تخص المرور عبر هذا المضيق وتأثيرات ذلك على الاقتصاد العالمي في حين تُنسى القضية الأم؟ تُنسى غزة والحصار المفروض عليها والقتل اليومي لأبنائها ولأبناء الشعب اللبناني وانتهاك حقوق الأسرى في سجون الاحتلال والتحضير المنهجي لتنفيذ أحكام الإعدام بحقهم وفقا للقانون المصادَق عليه في 30 مارس 2026؟
يبدو أن هناك خللا مقصودا في هذا الجانب؛ هناك من يريد استبدال تركيز الرأي العالمي على ما يترتب من تبعات اقتصادية ناتجة عن غلق مضيق هرمز أو فتحه بدل التركيز على الانتهاكات الصهيونية الصارخة في حق الشعب الفلسطيني.. أليس هذا تلاعبا واضحا بالرأي العامّ العالمي ومحاولة القضاء على ذلك الزخم العالمي الكبير الذي عرفته القضية الفلسطينية بعد معركة طوفان الأقصى؟
يبدو أن المسألة تحتاج بحق إلى انتباه دقيق منا، في الوقت ذاته لا يقلل من شأن المعركة التي تخوضها إيران ضد الولايات المتحدة عسكريا ودبلوماسيا، أو من شأن المعركة التي يخوضها لبنان لتحرير جنوبه المحتل ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، ولكنه أيضا لا ينسى أن فلسطين هي الأصل وأن قطاع غزة مازال يتعرض إلى اليوم للاعتداءات الصهيونية وأن الأسرى الفلسطينيين مازالوا يعيشون إلى اللحظة كافة أنواع العذاب بل ويُهَيَّؤون للإعدام ظلما خلافا لكل القوانين والشرائع الدولية.
هذا هو الدمج الحقيقي بين كافة الجبهات والساحات من فلسطين إلى لبنان إلى إيران، وهذا ما ينبغي للإعلام الموضوعي التنبيه إليه.
في الأسبوع الماضي استُشهد ما لا يقل عن 120 فلسطيني في قطاع غزة بينهم أطفال، وفي يوم 29 جوان وحده استشهد 9 فلسطينيين في غزة من بينهم طفلان، وبلغ إجمالي عدد الشهداء منذ وقف إطلاق النار الأخير في القطاع واستلام الكيان آخر أسراه أكثر من 1000 شهيد من بينهم أطفال! والأمر ذاته بالنسبة للجبهة اللبنانية، إذ استُشهد في الفترة من 2 مارس الماضي إلى اليوم أزيد من 4100 لبناني ونزح أكثر من 1.2 مليون آخر خارج ديارهم بسبب العدوان، وكل ذلك جرى في ظل وقف إطلاق النار المزعوم إِنْ في فلسطين أو لبنان!
ماذا يعني هذا؟
يعني هذا أمرا واحدا، أن هناك محاولة فعلية قائمة على مستوى الإعلام لفصل الجبهات والقيام بالتفريغ التدريجي لِشُحنة التأييد العالمية الكبيرة للقضية الفلسطينية التي اكتسبها العالم نتيجة معركة طوفان الأقصى. وما تعمُّدُ المفاوض الأمريكي التسويف حول مضيق هرمز والإسرائيلي حول لبنان والدخول في تفاصيل التفاصيل سوى تكريس لهذا التوجُّه. وما تركيز وسائل الإعلام العربية والدولية على هذه التفاصيل التي لا تنتهي بشأن مضيق هرمز إلا جزء من هذه الإستراتيجية.
لذا ينبغي اليوم التذكير باستمرار بأن جيش الإبادة الصهيوني مازال يمارس إبادته في حق الشعب الفلسطيني في غزة، يقتل يوميا العديد من الشهداء ويشن غارات عسكرية، ويمنع تنفيذ بنود اتفاقيات شرم الشيخ ليوم 13 أكتوبر 2025 بخصوص وقف إطلاق النار بينه والفلسطينيين، ولا يسمح بدخول المساعدات المتفق عليها. والاعتداء المنهجي ذاته وبالأسلوب نفسه تجري العملية مع لبنان ويدفع اللبنانيون الثمن إلى اليوم.. ومع ذلك نجد الإعلام الغربي الموجَّه ومعظم الإعلام العربي الثقيل يكاد ينسى هذه الحقائق: أن شهداء يرتقون كل يوم، وأن أسرى تزداد معاناتُهم في سجون الاحتلال مع كل دقيقة تمرّ وهم ينتظرون حكم الإعدام، وأن ملايين المدنيين في فلسطين ولبنان يهاجَمون يوميا بالصواريخ والطائرات المسيَّرة ويُشَرَّدون من مساكنهم أو تُهدَم على رؤوسهم وهم نيام…
تلك هي الحقيقة المرة التي ينبغي أن نشير إليها، بعيدا عن غرقنا في تفاصيل من يسيطر على مضيق هرمز بعيدا عن القضيتين الفلسطينية واللبنانية! ولعل هذا هو المقصود في جوهر المفاوضات بين واشنطن وطهران. واشنطن تريد فصل الساحات وإيران تريد العكس. إنها تفهم بعمق أنَّ عمق هرمز في فلسطين وليس في إيران فحسب.

مقالات ذات صلة