الرأي

“عملة” التفاوض مع ترمب

حبيب راشدين
  • 3919
  • 4

أكثر من بلد عربي وإسلامي كان يفترض أن يشهد أمس جمعة غضب لأجل القدس الشريف، بطقوسها المعتادة: من حرق أعلام ودمى لدولة الشيطان الأكبر ولرأسها، وقد تقفز بعض الرؤوس للمنصَّات، تريد تحويل الغضب الشعبي الفعلي من مسار التنديد بجريمة كانت معلنة قبل وقوعها، إلى مشاغبة للسلطات الأهلية، وربما إلى حرق وتدمير مقدرات الدول والشعوب، بينما بوسع الدول والشعوب إسقاط قرار نقل السفارة الأمريكية للقدس بأكثر من وسيلة، بتفعيل “عملة” التفاوض الوحيدة التي يفقهها أرباب رب البيت الأبيض.

على مستوى الدول والأنظمة، دعونا نذكر أن دول الخليج حين استقبلت الرئيس الأمريكي ترمب بحفاوة، وودعته بسخاء محملا بـ500 مليار دولار ثمن صفقات أسلحة ومشاريع اقتصادية بأمريكا، كانت تعلم أنه “حامل” بمشروع نقل السفارة إلى القدس، وهو من بين وعوده الانتخابية التي لا تكلفه الكثير، كما كانت تعلم منذ سنة 1995 أن أغلبية ساحقة في الكونغرس من ممثلي الشعب الأمريكي، هي من سنَّ القرار الآثم باسم الشعب الأمريكي.

الفسطاط الثاني من دعاة محور المقاومة والممانعة، كان بدوره يعلم، مثل محور الاعتلال العربي، بحضور القرار منذ قرابة ربع قرن، حين تفاوض في الملف النووي، وأعاد ترميم العلاقات مع الشيطان الأكبر، وساهم في تخريب الكيان العربي ـ المفكك أصلاـ  بإدارة حروبٍ طائفية على امتداد الهلال الشيعي من اليمن وحتى لبنان، مرورا بالعراق والبحرين وسورية.

الفسطاط الثالث من الفلسطينيين، وهو المعني الأول بمصير القدس، له نفس العلم منذ أن استدرج إلى مسار أوسلو، ثم مسار إدارة مفاوضات “السلام” تحت الرعاية السامية للذئب الأمريكي، وحرم نفسه من جدار الحماية الأصيل بالإبقاء على ملف الاحتلال الصهيوني لفلسطين تحت أركان قرارات الأمم المتحدة، وسلطة لجنة تصفية الاستعمار كما فعلت أغلب المستعمرات من قبل، أو كان استعان بتفعيل الفصل الذي يسمح للجمعية العامة بإصدار قرار تحت البند السابع كما حصل في الأزمة الكورية.

ومع أن الشعوب العربية والإسلامية لا تثق اليوم بقياداتها، فإنه بوسعها أن تكشف عوراتها، وتوقف دجلها بتبني شعارات غير شعارات الشجب والإدانة، وتحدد للحكومات والبرلمانات العربية والإسلامية السبيل لحمل ترمب على ابتلاع قراره ونسخ القرار داخل الكونغرس، بتخيير أمريكا بلا مواربة بين مصالحها التي لا تحصى في العالمين العربي والإسلامي، وبين دعم كيان آيل للسقوط  والتفكك، وقد انتهت وظيفته أصلا، وبات يشكل عبءا على الشعوب الغربية ذاتها.

 ثم لا ننسى أن همَّ الغرب في جيبه، وقراراته هي بيد أرباب المصفوفة من الأوليغارك المتحكمين في الاقتصاد العالمي، وبوسع المسلمين تركيع هذا الكيان بقرارات سيادية تتخذها الدول الإسلامية، كأن تشجع برلماناتها على تبني قرار ملزِم للحكومات بوقف التعامل بالدولار (ويكفينا قرار من الدول العربية والإسلامية في منظمة أوبك) أو حمل الحكومات على تخفيض حجم المبادلات مع الولايات المتحدة بـ10 أو 20% في المائة، أو في الحد الأدنى تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي.

غير أن القرار الأهمّ الذي سوف يحمل الإدارة الأمريكية على التراجع، ويغير من مسار الملف الفلسطيني بالكامل هو بيد الفلسطينيين، وبيد محمود عباس ومنظمة التحرير الفلسطينية، التي يكفيها اتخاذ قرار بحل سلطة أوسلو وشرطة دايتون، لتحرير يد الفلسطينيين وإعادتهم إلى مسار المقاومة بخياراتها السلمية والمسلحة حتى تحرير فلسطين كل فلسطين.

مقالات ذات صلة