-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عمى الألوان عند شعب الله المحتار

حبيب راشدين
  • 1644
  • 10
عمى الألوان عند شعب الله المحتار
ح.م

عجبا للشعوب كيف صارت تساق مثل الخراف، وتقاد إلى حتفها بظلفها خلف رايات كاذبة، نراها تنجح كل مرة في تسفيه أحلام المستضعفين، وتُصرفهم عن التشخيص السليم لواقعهم، والتمييز بين الصديق والعدوّ، وبين الفريسة والظل، وبين ما يحتاج إلى معالجةٍ آنية لا تحتمل التسويف، ومطالب وحاجات مشروعة تحتاج بالضرورة إلى الوقت، وإلى مراكمة الوسائل والخبرات.

بعد حين، سوف نحتاج إلى وقفة مع الذات، نتدبَّر فيها بموضوعية وبرودة دم جملة المطالب والشعارات التي رُفعت في هذا الحَراك، وكيف نجحت “اليدُ الخفية” في تسويقها لشارع حرّكته بأمانةٍ أوجاعٌ حقيقية، ومظالم كثيرة، لينتهي بعد جهد بشعار واحد أحد: “إسقاط المسار الانتخابي” مع دعوة كاذبة خاطئة إلى بناء “دولة مدنية” تؤسسها “نخبة مجهولة الهوية” داخل غرفٍ مظلمة.

المتهمون في هذا الحراك كثر أبرزُهم حكم “جيل طاب جنانو” من المعمرين، قد غلّق الأبواب في وجه جيل يريد نصيبه من متاع الدنيا من غير مماطلة أو تسويف، وفي غمرة عراك الحراك مع نفسه، وضجيج المطاحن الهوائية على صفحات “فيس بوك” ضاعت الرؤية، وانساق الجميع لمطاردة الظل بدل الفريسة.

على الأقل، كانت الرؤية أوضح في حَراك أكتوبر منذ ثلاثين سنة خلت، حتى وإن كانت قد زُوِّرت عشية خروج الناس للشارع للمطالبة برحيل نظام الحزب الواحد، والتحرر من “الاشتراكية خيار لا رجعة فيه” وقد حمل الحزب الواحد والمتشابه من “الاشتراكية” وزر حالة الانسداد، ومراوحة الدولة والبلد داخل دائرة فارغة، فيما لم يلتفت حراك فبراير إلى الجهة المسؤولة عن استشراء الفساد والمفسدين، واستبداد نخبة من المعمِّرين بالسلطة والثروة.

للأمانة، هذا هو حال جميع الثورات الملوَّنة المصابة بعمى الألوان وهي بلا لون أو طعم، من أوروبا الشرقية التي استبدلت الحكم الشيوعي المغلق في السياسة وفي اقتسام الثروة، بنظام رأسمالي متوحش لا يقلُّ استبدادا عن سلفه في استئثار النخبة بالسلطة والثروة، إلى ثورات “الربيع العربي” التي استبدلت أنظمة حكم مستبدة كانت تشتري السلم مع شعوبها بضمان الحد الأدنى من الخدمات، بأنظمة حكم قاصرة تشتري السِّلم من شعوبها بالتسويق غير المكلف لحرية التعبير، وبممارسة منقوصة لسلطته التأسيسية ليوم واحد.

ولأنَّ الحَراك الشعبي -عندنا وعند غيرنا- لم يكلف نفسه عناء تشخيص أوضاع البلد، والبحث عن موطن الخلل فيما نعاني منه من تراكم للأزمات، ومن قصور فظيع في تدبير شؤون البلد، فإن خيار السلطة القائمة للحل الدستوري، بتنظيم انتخابات رئاسية تعيد الاستقرار لمؤسسات الدولة، يبقى أفضل من خيار الانتقال الأعمى خارج الدستور، بقيادةٍ تختارها صفوة مجهولة، من نخبةٍ لا نعلم عنها شيئا، وقد حُرم في الحالتين من فرصة مراجعة الخيارات التي سلمنا بها على عجل في تسعينيات القرن الماضي دون حساب لمآلاتها.

وحتى يطمئنَّ الجميع، فإن كلا المسارين ليس بوارد مواجهة الآفات التي أحصاها الحراك جمعة بعد جمعة، لأنها محض أعراض لمرض عضال، لا تريد النخب المهيمنة أن نشخِّصه، ونبحث له عن علاج أو بديل، ومع ما يظهر من خلاف بين أنصار الانتقال عبر الدستور، وأحباب “الانتقال الديمقراطي” خارج إكراهات الديمقراطية، فإنهم جميعا على وفاق تام، من جهة إيمانهم الذي لا يقبل نقاشا بالديمقراطية التمثيلية القاصرة كنهاية للتاريخ ولاجتهاد الفكر السياسي، وبالليبرالية كنموذج لا بديل عنه في تدبير الاقتصاد، وإنتاج الثروة واقتسامها قسمة ظيزى.

ولأن أهل الحَراك، مثلهم مثل “شعب الكنبة” لم يرتقوا بوعيهم إلى العمل بمنطق ترتيب الأولويات، والتمييز بين العاجل والآجل، وبين الخصم والصديق، وبين الفريسة والظل، فينبغي أن لا نعول كثيرا، لا على نجاح المسار الدستوري، سوى من جهة ما يعِدُ به من تأمين البلد من الفوضى، وترميم الواجهة ببعض الطلاء والمساحيق، ولا على وعود من يقاول باستماتة  بأدوات الفوضى لتعطيل المسار من دون أن يقدِّم بديلا معلوما لشعب الله المحتار.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
10
  • مواطن

    يقول المفكر برنارد شو : (من الأسهل التلاعب بالناس لكن من الصعب إقناعهم بأنه ينم التلاعب بهم)
    IL EST PLUS FACILE DE MANIPULER LES GENS QUE DE LES CONVAINCRE QU'ILS SONT MANIPULES
    فأغلبية الحراك (بدون أدنى شك) من ذوي النوايا الحسنة الذين يحركهم اليأس من كل ما يصدر من السلطة (و لو كان صادقاً) لكن هناك أقلية (حوالي 5 %) هم في الحقيقة (زواف) يريدون تخريب البلد و يتغطون بالمطالب الشرعية للأغلبية. لكن في الحقيقة، حتى لو استقال الجميع فإن هؤلاء سيرفضون الانتخابات لأن مشروعهم ببساطة هو إكمال ما عجزت عنه فرنسا طيلة 132 استعمار ! فالحذر الحذر يا إخواني.

  • الفحشوش

    شعار التسعينات : { لا دراسة لا تدريس حتى يسقط الرئيس }
    النتيجة : سقط الرئيس وتدحرج وراءه 200 ألف رأس بشري !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

    شعار التاسعة عشرة بعد الألفين : { يتنحو قاع}
    النتيجة : { إن لم يستر ربي : ما يبقى في البلاد إلا القاع }

    كثر التعالم والتروبيض !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!1

  • ياسين

    عندما تتلوث الطبيعة بالنفايات و دخان المحركات و حرائق المزابل...حينها تنعدم الرؤية و يصاب الانسان بالاختناق؟ هكذا حين يصاب الواقع السياسي بالتلوث فيلوث معه المفاهيم ...؟ و تغيب الرؤيى وسط هذا العالم الملوث و لا يعقل الطريق إلا من أوتي العقل و الحكمة و رزق البصر و البصيرة لتبين الخيط الأبيض من الأسود وسط هذا الجو المتعفن و المؤدي إفى الإختناق؟؟؟

  • الطيب

    ..الحراك أعطى الحلول العملية الصائبة، لكن سلطة الأمر الواقع رفضتها وأصرت على اجراء انتخابات غير شرعية وبالقوة لتحافظ على كرسي الحكم وتقصي الشعب من اختيار حكامه ديمقراطيا وبناء دولته المدنية بنفسه بدل فرض سلطة عليه تحكمه رغما عنه وتعمل ضد مصالحه...و..ما دمت ترى أن الحراك لم يعط البديل، هات البديل انت باعتبارك من النخبة ام ترى أن البديل هو هذا الذي تريده السلطة؟..

  • مهاجر

    أهلا بدعاة الاستمرارية .... الحراك حراك جزء كبير "شباب" من الشعب، لم و لن يرضى بالهوان. أما انتم، فابقوا تبيعون انفسكم بزوج دورو كما عهدناكم. جيل رضيتم بالعبودية طيلة عقود و ما تنقمون من هؤلاء الشباب إلا أنهم حققوا ما لا تقدرون عليه "طلب الحرية". الزموا حدودكم حتى لا تسمعوا ما لا يرضيكم و ارضائكم ليس يعننينا فأنتم هينون بالفطرة في نضر الأحرار.

  • مناع ـ الجزائر

    مشكلة الحراك الشعبي هي في قياداته الخارجية والمتخفية في الداخل وكلها تنطلق من أحقاد أو تنفذ أوامر حاقدين ، وتجدد باستمرار مطالبها التعجيزية كلما برز حل في النفق المظلم بهدف إطالة أمد الأزمة لحين توفر الظروف الملائمة لانقضاض الفاعلين الحقيقيين على البلد

  • رضوان

    للأسف مازالت النخب تفكر ضمن السياج الدغماتي المغلق للرأسمالية سواء ببنيتها التحتية (اقتصاد السوق) أو بنيتها الفوقية (الديمقراطية الليبرالية)، رغم التناقضات التي يحملها هذا النموذج في بلدانه الأصلية فما بالك بدول العالم الثالث بتاريخها الحضاري المختلف، وبالتالي فان البطولة الحقيقية تكمن في اعادة تفكيك هذه المفاهيم والابتعاد عن أسطرتها وفق رؤية تاريخية نقدية تستهدف تجاوز الحتمية الوضعانية للتطورانية على المستوى المعرفي، وتجاوز القابلية للاستعمار على المستوى النفسي والوجداني، وهذا ما يتيح لنا انتاج أفكار ونظم تستجيب لقيمنا الحضارية، وتعمل على أخلقة النماذج التنموية لاعادة توجيه حركة التاريخ

  • Ahmed

    نعم شعب الله المحتار الذي يبلغ كل تعداده شارعا في بكين لا يمكن للقوى العالمية التلاعب به لانه شعب فريد من نوعه عصي على الثورات الملونة بالرموت كونترول. وهذا ما يلاحظ لتسعة اشهر من محاولات الرموت كنترول , ولكن لم يخرج واحد للشارع.

  • نمام

    ما ينتابنا القلق منه و الخوف احيانا اللعب على الجهوية و الهوية مما يشوه الغلاقة المجتمعية ولذالابد من انهاء هذا و خاصة شباب الحراك وان كان ليس من السهل التعبير عنه والتخلص منه مشاكل ماض انعدمت فيه الرؤيةوسعة الافق للمستقبل منها جبروت السلطة وشراستها ومنع الانفتاح المجتمعي و السياسي لذا نرفض كل تعبير غير وطني والاتحاق بالخارج لذافنحن لا قادة لناسياسيين او مجددين او برامج رغم ضرورتها و اهميتها لاننا تريد الوصول الى اهدافنا العامة كرامةحرية عدالة اجتماعية وسيادةونمثيل تعددي مساوة بين الجميع تصالح مع ماض لتاسيس مستقبل افضل للجميع وهذا ما يخيف النظام وربما حتى الدول الكبرى و المؤثرة هل يسنمع الصم

  • صالح بوقدير

    الشعب خرج من الحيرة وأخذ زمام المبادرة بنفسه فلم يعد يثق البتة في أشباه النخبة التي فقدت البصيرة والضمير وتاهت في رواق الصيارفة
    لم يعد التعلاعب بالألفاظ وتنميق العبارات سلعة رائجة لاستقطاب الناس واستغفالهم واستحمارهم لركوبهم فقد انتهى وإلى الابد عهد الدجل وبيع الوهم أنصحك بالكف عن النفخ في رماد انطفأت جدوته منذ زمان