عميد مسجد باريس يذكّر فرنسا بمسؤولياتها تجاه الذاكرة
خصص عميد مسجد باريس الكبير، شمس الدين حفيز، مقاله الأسبوعي للمرة الثانية على التوالي، لانتقاد السلطات الفرنسية على تنكرها لتضحيات “الرماة المسلمون” الذين دفعوا حياتهم ثمنا للدفاع عن فرنسا في الحرب العالمية الأولى، حيث تم استثناؤهم من التخليد الذي خصصته الأسبوع المنصرم لهذه الفئة من المحاربين.
وأراد شمس الدين حفيز توجيه رسالة إلى الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ينبهه من خلالها إلى ضرورة تشريف كلامه المتعلق بالذاكرة، والذي بات محل تساؤلات كثيرة فيما يتعلق بالجزائر، باعتبارها الضحية الأولى للسياسة الاستعمارية لفرنسا على جميع الأصعدة، الإنساني والاجتماعي والاقتصادي، وإن كان الجنود الجزائريون يستفيدون من رواتب أعلى مقارنة بنظرائهم الآخرين.
وفي مقاله الأسبوع المنصرم، انتقد عميد مسجد باريس السلطات الفرنسية استثناء “الرماة المسلمون” من تخليد ذكراهم كغيرهم، وكتب قائلا: “احتفلت فرنسا يوم الأحد، بموتاها وجنودها بأحرف ذهبية. لكن في أعماق هذه الذكرى كان هناك شعور بالغياب، مثل صدى منسي يتردد في الفراغ. إنهم الرماة المسلمون، هؤلاء الرجال الذين جاؤوا عبر البحر، من شمال إفريقيا، من إفريقيا السوداء، هؤلاء الجنود الذين تحملوا الوحل والجوع والحرب للدفاع عن وطن لم يعرفوا طعمه ولا أنفاسه”.
وبلغ عدد ضحايا المسلمين الذين جندوا إجباريا للحرب إلى جانب جيش الاحتلال الفرنسي في الحرب العالمية الأولى، نحو سبعين ألفا، غالبيتهم من الجزائريين، وفق ما جاء في المقال الذي صدر نهاية الأسبوع المنصرم، لأن الجزائر جُند من أبنائها، “سبعة أفواج من الرماة الجزائريين، وفوجين تونسيين، وعدة سرايا من المهارست (المحاربون على الجمال)، بالإضافة إلى وحدات مغربية مساعدة”.
ورفض شمس الدين حفيز سياسة الكيل بمكيالين: “إنه النسيان الذي يبدو أن الساسة اليوم يوافقون عليه، غير مبالين، بل وربما يشعرون بالارتياح لعدم اضطرارهم إلى ذكرهم”، معتبرا هذا الموقف بأنه “صمت العار، صمت الساسة الذين يديرون أعينهم بعيدا عن التاريخ المشترك، الذي ربما يكون معقدا للغاية، وربما ثقيلا للغاية حيث لا يستطيع تحمله أولئك الذين لا يرون فيه سوى أشباح الماضي البعيد”.
وشدد على أن هذا الموقف “ليس مجرد نسيان، إنه رفض، وهو تقريبًا شكل من أشكال التنازل، وهو لفتة تخبر الأحياء والأموات أن هناك تضحيات نفضل أن نصرف أعيننا عنها. لأن ذكر الرماة المسلمين يعني أيضًا قبول أن فرنسا لم تكن دائمًا هي التي نود أن نصفها في الخطابات الرسمية، بل يعني أن نتذكر أن حريتنا مبنية على أكتاف الرجال الذين جاؤوا من أماكن بعيدة، وهذا نحن مدينون لهم باحترامنا وتقديرنا”.
وأراد عميد مسجد باريس، الذي استقبل مؤخرا من قبل الرئيس عبد المجيد تبون، تذكير الرئيس الفرنسي الحالي، إيمانويل ماكرون، بمواقف من سبقوه إلى “قصر الإيليزي” في التعاطي مع قضية الذاكرة، التي تستمر في تسميم العلاقات بين الجزائر ومستعمرتها السابقة، فرنسا، العاجزة عن تجاوز هذه المعضلة، وذلك في عموده الأسبوعي الصادر الجمعة 15 نوفمبر 2024، والذي توقف من خلاله عند خلفيات إقامة مسجد باريس الكبير في سنة 1926.
ووفق ما جاء في مقال شمس الدين حفيز، فإن إقامة مسجد باريس الكبير، ليس سوى تكريم لضحايا الجنود المسلمين الذين دفعوا حياتهم ثمنا وهم يدافعون عن فرنسا، وقد بدأ الأمر بإقامة مسجد خشبي في سنة 1916، ثم مقابر لهم على الطريقة الإسلامية ومستشفيات خاصة بهم، قبل أن يتقرر إسناد مسؤولية بناء وإدارة المسجد إلى جمعية الحبوس.
وتبعا لذلك، قامت مدينة باريس بتوفير قطعة أرض مساحتها 7500 متر مربع تقع في الدائرة الخامسة، يضيف العمود، أصبحت هذه الأرض، التي كانت تشغل موقع مستشفى الرحمة السابق الذي تم هدمه مؤخرًا، موقعًا للمسجد الكبير في باريس. ليبدأ العمل في الفاتح من مارس 1922، حيث تم وضع الحجر الأول بعد فترة وجيزة، في 19 مارس.
وتحول عمود عميد مسجد باريس الأسبوعي، إلى محطة نقد للسياسات الفرنسية تجاه الجاليات المسلمة، أما زاوية النقد فعادة ما تحددها طبيعة المناسبة، في توجه يؤكد على الدور الذي بات يلعبه مسجد باريس في الدفاع عن الجاليات المسلمة والجزائرية منها على وجد التحديد.