..عندما ينتحر علماء الأمة
ما حدث بين البوطي والقرضاوي، وما انتهى إليه مصير البوطي، أمر جلل يتجاوز أثره إسقاط هذا النظام الحاكم أو ذاك، لأنه يعبر عن فقدان علمائنا وفقهائنا وساستنا لحكمة التمييز بين الخيط الأبيض والأسود ومسكهم بالخيط الرفيع الرابط بينهما، فيما تعلق بأمهات القضايا التي تعصف بالأمة وتجاذباتها، ما يهز الأمة ويضربها في عقيدتها سر تماسكها وآخر دفاعاتها المعنوية، ويترجم حقيقة تضعضع جسمها المريض والمتهاوي جراء الطعنات المتهاطلة عليه، وهاجس تحوّلها إلى القبلية والجاهلية الأولى.
ما حدث للبوطي، أحدث رجة عنيفة في ذهني، وعاد به إلى موقعة الجمل، التي دارت بين صحابة الرسول “ص” وخلفياتها، القائمة أساسا على تباين تقدير أولي الأمر والعلماء بشأن تأخر معاوية في معاقبة قتلة عثمان بن عفان، سقط فيها 70 ألف شهيد، لتعود الأمور إلى نقطة الصفر بعد الاتفاق على هدنة هشة، وإلى معارك دامية أخرى تناحر فيها الصحابة ثم أتباعهم، مثل موقعة صفين، النهراوين، كربلاء، الحرة، وبلغ الأمر حد رمي الكعبة بالمنجنيق وحرقها مرتين، وإلى ما تبعها من حروب طاحنة بين الأمويين والعباسيين، وأخيرا حرب مفتوحة بين السنة والشيعة، وما نعيشه من فتاوى مذهبية ولا مذهبية حسب الطلب.
اغتيال البوطي، وبغض النظر عن تواجده في محيط سياسي معين، يشير إلى مدى تردي وانقسام الأمة وفشلها في مواجهة التحديات والزحف المتواصل للغرب على ديار الإسلام تحت شعارات مختلفة، رغم أننا نسمع ونرى وندرك ما يخطط هنا ويحاك هناك، فالعدو لم يعد يخفي نواياه أمام حالة تصدع وتهاوي الجغرافيا البشرية العربية والإسلامية.
ما حدث هذه المرة مع البوطي والتلاسن بينه وبين القرضاوي المنطلق من موقعهما كمراجع للفقه والاجتهاد، والطعن في مصداقية علم هذا أو ذاك، واتهامه، ثم تكفيره وإهدار دمه، رغم حرمة دم المسلم، فما بالك بدم العالم المجتهد، يكرس تشتت الأمة المعنوي والعقدي، لأن الأمر يتعلق بالإتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورابطة علماء الشام، وليس بين أنظمة حكم، فهما أكبر هيئة علمية وفقهية ينشطهما علماء مشهود لهم، كل يسعى إلى إبراز قيم الإسلام السمحة، والتمييز بين الحق والباطل، والحلال والحرام، حيث اعتقد الناس، ونحن منهم، أن مثل هؤلاء العلماء سيجددون الدين في هذا القرن “الأغبر”، ويواجهون تحدياته الفكرية والعقدية والمادية.
كما أن الأمر يتعلق أيضا بدمشق، عاصمة الحضارة العربية الإسلامية في عهد الأمويين، أحببنا أم كرهنا، وبغض النظر عن النظام الحاكم، والكل يشعر باستهدافها منذ سقوط بغداد، عاصمة العباسيين، وقبلها بقرون سقطت غرناطة، وكثير من العقلاء اعتبروا ما حدث في تونس وليبيا ومصر تمهيدا لتقويض سوريا، لأن الاستعمار اتخذ شكلا و”لوكا” جديدا، تكون واجهته أنظمة موالية.
وبينما يتواصل مسلسل الاقتطاع والقضم “الديني” الفظ من الخارطة العربية والإسلامية، مثلما حدث ويحدث في فلسطين وتيمور الشرقية وجنوب السودان، أو محو أي وجود عربي أو إسلامي من مناطق تشكل حواف العالم العربي الإسلامي بشن معارك عرقية ودينية وزرع النعرات، كما هو حال الروهينغا في مينمار، وشمال مالي، الصومال، و..و..في مخطط للتضييق على المد الإسلامي، لم يبق أمام هذا الزحف الغربي الممنهج سوى “الاستحواذ” المباشر على مكة والمدينة، التي مازالت تعتبر يثربا لدى الكثير من الأطراف.
وأمام انتقال الاختلاف وتطوره إلى صراع بين أنظمة الحكم، وانتقاله إلى المجامع والمؤسسات الفقهية والشرعية المرجعية، فإن ارتدادات واقعة مسجد الإيمان بدمشق ستمتد أفقيا وعموديا إلى باقي مستويات الهرم دون شك، لتلهب فتيل الاختلاف والانشقاق، كما أنها ستغري أطماع الغرب في المنطقة ستشتد معها الضغوط والمساومات ومحاولات اختراق ما تبقى من مواقع وحصون.