-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

..عندما ينتحر علماء الأمة

مصطفى صالحي
  • 4005
  • 14
..عندما ينتحر علماء الأمة

ما حدث بين البوطي والقرضاوي، وما انتهى إليه مصير البوطي، أمر جلل يتجاوز أثره إسقاط هذا النظام الحاكم أو ذاك، لأنه يعبر عن فقدان علمائنا وفقهائنا وساستنا لحكمة التمييز بين الخيط الأبيض والأسود ومسكهم بالخيط الرفيع الرابط بينهما، فيما تعلق بأمهات القضايا التي تعصف بالأمة وتجاذباتها، ما يهز الأمة ويضربها في عقيدتها سر تماسكها وآخر دفاعاتها المعنوية، ويترجم حقيقة تضعضع جسمها المريض والمتهاوي جراء الطعنات المتهاطلة عليه، وهاجس تحوّلها إلى القبلية والجاهلية الأولى.

ما حدث للبوطي، أحدث رجة عنيفة في ذهني، وعاد به إلى موقعة الجمل، التي دارت بين صحابة الرسول “ص” وخلفياتها، القائمة أساسا على تباين تقدير أولي الأمر والعلماء بشأن تأخر معاوية في معاقبة قتلة عثمان بن عفان، سقط فيها 70 ألف شهيد، لتعود الأمور إلى نقطة الصفر بعد الاتفاق على هدنة هشة، وإلى معارك دامية أخرى تناحر فيها الصحابة ثم أتباعهم، مثل موقعة صفين، النهراوين، كربلاء، الحرة، وبلغ الأمر حد رمي الكعبة بالمنجنيق وحرقها مرتين، وإلى ما تبعها من حروب طاحنة بين الأمويين والعباسيين، وأخيرا حرب مفتوحة بين السنة والشيعة، وما نعيشه من فتاوى مذهبية ولا مذهبية حسب الطلب.

اغتيال البوطي، وبغض النظر عن تواجده في محيط سياسي معين، يشير إلى مدى تردي وانقسام الأمة وفشلها في مواجهة التحديات والزحف المتواصل للغرب على ديار الإسلام تحت شعارات مختلفة، رغم أننا نسمع ونرى وندرك ما يخطط هنا ويحاك هناك، فالعدو لم يعد يخفي نواياه أمام حالة تصدع وتهاوي الجغرافيا البشرية العربية والإسلامية.

 ما حدث هذه المرة مع البوطي والتلاسن بينه وبين القرضاوي المنطلق من موقعهما كمراجع للفقه والاجتهاد، والطعن في مصداقية علم هذا أو ذاك، واتهامه، ثم تكفيره وإهدار دمه، رغم حرمة دم المسلم، فما بالك بدم العالم المجتهد، يكرس تشتت الأمة المعنوي والعقدي، لأن الأمر يتعلق بالإتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورابطة علماء الشام، وليس بين أنظمة حكم، فهما أكبر هيئة علمية وفقهية ينشطهما علماء مشهود لهم، كل يسعى إلى إبراز قيم الإسلام السمحة، والتمييز بين الحق والباطل، والحلال والحرام، حيث اعتقد الناس، ونحن منهم، أن مثل هؤلاء العلماء سيجددون الدين في هذا القرن “الأغبر”، ويواجهون تحدياته الفكرية والعقدية والمادية.

 كما أن الأمر يتعلق أيضا بدمشق، عاصمة الحضارة العربية الإسلامية في عهد الأمويين، أحببنا أم كرهنا، وبغض النظر عن النظام الحاكم، والكل يشعر باستهدافها منذ سقوط بغداد، عاصمة العباسيين، وقبلها بقرون سقطت غرناطة، وكثير من العقلاء اعتبروا ما حدث في تونس وليبيا ومصر تمهيدا لتقويض سوريا، لأن الاستعمار اتخذ شكلا و”لوكا” جديدا، تكون واجهته أنظمة موالية.

وبينما يتواصل مسلسل الاقتطاع والقضم “الديني” الفظ من الخارطة العربية والإسلامية، مثلما حدث ويحدث في فلسطين وتيمور الشرقية وجنوب السودان، أو محو أي وجود عربي أو إسلامي من مناطق تشكل حواف العالم العربي الإسلامي بشن معارك عرقية ودينية وزرع النعرات، كما هو حال الروهينغا في مينمار، وشمال مالي، الصومال، و..و..في مخطط للتضييق على المد الإسلامي، لم يبق أمام هذا الزحف الغربي الممنهج سوى “الاستحواذ” المباشر على مكة والمدينة، التي مازالت تعتبر يثربا لدى الكثير من الأطراف.

وأمام انتقال الاختلاف وتطوره إلى صراع بين أنظمة الحكم، وانتقاله إلى المجامع والمؤسسات الفقهية والشرعية المرجعية، فإن ارتدادات واقعة مسجد الإيمان بدمشق ستمتد أفقيا وعموديا إلى باقي مستويات الهرم دون شك، لتلهب فتيل الاختلاف والانشقاق، كما أنها ستغري أطماع الغرب في المنطقة ستشتد معها الضغوط والمساومات ومحاولات اختراق ما تبقى من مواقع وحصون.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
14
  • abdelaziz

    En réponse à NABIL d'Algérie qui dit que l'organisation des états arabes devrait composer une armée pour défendre les arabes et les musulmans.Je lui dirais qu'elle est l'essence et les fondements philosophiques de cette armée ? Car si on prends l'élément arabité l'espace géographique arabe n'est pas constituer uniquement de peuple arabe(dont je fais partie) et si on prends l'élément islam l'espace géographique du monde musulman n'est pas constituer uniquement de musulmans .

  • khaled

    بارك الله فيك يا ابن القصبة فقد وفيت في إجابتك على كاتبالمقال الذي يهرف بما لا يعرف..فالتكتب في شيء تفقهه يا صحفي و دعك من الأمور التي تكبرك حتى لا تحرج نفسك أنصحك بقراءة التاريخ جيدا

  • بدون اسم

    لا...ما حدث ي وحدث في سوريا لا يشبه الفتنة الكبرى في صدر الإسلام ..ماحصل هو عبارة عن إنتفاضة شعب ضد سلطان جائر و ديكتاتوري لكن إستغلت هذه الإنتفاضة .من طرف تنظيم إرهابي همجي فكرهم فكر خارجي إجرامي مثل فكر خوارج النهروان ..البوطي رحمه الله تعالى قتل مظلوما حتى وإن أخطأ في تأيده للنظام الديكتاتوري

  • بدون اسم

    الإغارة على مكة المكرمة كانت مرتين أما المرة الأولى فكانت على يد جند يزيد بن معاويةو مرة على يد الطاغية الحجاج الثقفي قائد جيش الطاغية عبد الملك بن مروان الأموي و هذا لسعيهم خلع بن الزبير و تاسيس دولة أموية

  • بدون اسم

    القتلى لم يصل عددهم في صفين عشرة ألاف حسب الرويات الأصح في صفين ثم وقعت تلك الهدنة و بعدها معارك أخرى كالنهروان بين سيدنا علي و الخوارج و بعدها قتل الإمام علي رضي الله عنه و تولى معاوية الحكم لمدة عشرين سنة وولى يزيد ابنه بعد وفاته ووقعت كربلاء و قتل الحسين رضي الله عنه على يد جند الطاغية يزيد بن معاوية

  • بدون اسم

    القتلى لم يصل عددهم في صفين عشرة ألاف حسب الرويات الأصح في صفين ثم وقعت تلك الهدنة و بعدها معارك أخرى كالنهروان بين سيدنا علي و الخوارج

  • بدون اسم

    سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو من أراد التريث في معاقبة قاتلي عثمان بن عفان رضي الله عنه ...و ليس معاوية و وقعت موقعة الجمل في عهد علي رضي الله عنه بعد شهور من .مقتل عثمان رضي الله عنه. وكان عدد القتلى أقل بكثير في موقعة الجمل أقل بكثير من 70 ألف .. و رواية 70 ألف ::هو قول أن قتلى صفين من كانو سبعين ألف لكن لاتصح هذه الرواية

  • نبيل

    استمرار العرش والخلافة الابنية لماذا لا يتفق اصحاب الجامعة العربية على اقامة جيش موحد عمله حماية العرب والمسلمين من اي فتن داخلية او خارجية هادا مايجب عليه ان تكون والا لا فائدة منها ابدا.نبيل الجزائر

  • بدون اسم

    أنت هو من في طريق الإنتحار البطيء بإختيارك نهج الديماغوجية الهدامة التي اصبحت كمعاول تهدم بناء المؤسسات التي تؤسس لدولة الحق و القانون لذا تتخبط في السوداوية تهربا من الواقع الذي يحتم الإجتهاد للخروج من نفق الشمولية و نشر التهريج الذي لا يليق بالظرف الحالي الذي يتطلب توعية الشعب بالتي هي أحسن للمضي في بناء دولة الحق و القانون و ليس السكوت على الفساد و النهب الممنهج الذي همش نصف الشعب الذي يعيش في شظف العيش و الفقر المذقع في بلد غني بإقتصاد لقيط لا هو لبيرالي و لا هو اشتراكي لقيط إذن من صنع الفشل

  • عنتر

    اخى اشكرك على هذه المداخلة الحية التى تتعلق بالمنطقة العربية والحرب القائمة بين علمائها والتى دفعوا اليها دفعا دون ياخذوا الحيطة والحذر
    وفى الحقيقة شىء يؤسف له ان يصدر هذا التصادم والشتم والسب بين علماء كان ينظر لهم بالتقى وبالنقاء ويكن لهم الاحترام فاذابهم ينقسمان الى قسمين
    قسم= يبدى وجها غير الوجه الذى يخفيه اذ اسالت لعوبه الدولارات وابهرته الاقامات والزرابى المفروشات
    وقسم= كرس حياته فى المساجد والفاعات خدمة للعلم والعلماء فنال الشهادة والذنب لمن هدرالدم وقطع الرحم

  • aissa

    ماذابقي لعامة المسلمين اليوم بعد اختلاف وانجرار اهرامتها فى متاهات السياسة ؟
    صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم :''سياتى زمان على امتى الماسك على الدين كالماسك على الجمر ''.

  • ام كلثوم

    نشكرك على هذا المقال المميز .فثمة حقائق تاريخية مهمة كانت غائبة عن ذهن القارىءحاولت اظهارها لتنويره وتوسيع مداركه وليتسنى له معرفة ان الفتنة موجودة منذ القدم وان الاختلاف قائم منذ تاسيس الدولة الاسلامية
    لذا اوجب علينا ان لانعطى الفرصة للمتربصين بالامة ونسهل لهم الدرب من جديد لتوسيع الهوة بين الشعوب.. نشاطرك الراى ان العالم منزلته
    عالية لعلمه الغزير وهذا ما يلزمنااحترامه..فنحن دعاة ولسنا بقضاة والرب وحده يعلم خائنة الاعين.. رحم الله الجليل البوطى وحفظ العالم القرضاوى وكل علماء الامة الخييرين...

  • ابن القصبة

    أولا:لتصحيح المعلومة علي بن أبي طالب رضي اله عنه هو من طلب يالتريث في معاقبة قاتلب عثمان حتى يستقر الأمر،أما معاوية رضي الله عنه ومن معه من أقارب عثمان رضي الله عنه طلبوا باستعجال معاقبة القتلة.فأرجو من كتابنا أن يركزوا عند القراءة وألا يحشروا أنفسهم في مسائل لا يفقهون فيها.أما البوطي فطول حياته يقف إلى جنب الظالم لكن النظام كان يزين صورته ويفرغ له وسائل الإعلام في الوقت الذي يضيق فيه على العلماء الصادقين،وهذه الثورة أسقطت القناع عن البوطي.اسألوا الشيخ الصابوني.لو تواصل كتابتك عن المغرب ماشي خير

  • بدون اسم

    مجرد كلام انشائي