عن الدّعم الأمريكي للنازية الصّهيونية
لا تزال الأسئلة الجوهرية حول تلك الأسرار العميقة التي حظيت بها الحركة الصهيونية من الدعم الخيالي للغرب المسيحي، منذ قيام هذا الكيان السّرطاني، والمحاولات المستميتة لتأبيد هذا الجرح النازف في الجسم العربي، ومصدر القلق والتوتر في العالم بأسْرِه.
هناك من يرجع هذا الدعم إلى التقاء المشروع الاستيطاني الصهيوني مع المشروع الاستعماري الغربي، بما يجعل إسرائيل قاعدة عسكرية متقدمة لرعاية المصالح الغربية، والعصا الغليظة لاستنزاف المنطقة العربية، وتعطيل الدور الحضاري لها، على اعتبار الإسلام عدوّا مشتركا، لا يُسمح له بأيّ دور عالمي محتمل. وهناك من يرى بأنّ السبب في ذلك هو تلك الهيمنة الصهيونية على المال والأعمال والإعلام في الغرب، وبسط النفوذ على مراكز صناعة القرار في العواصم الغربية.
وهناك من يعتقد أنّ السبب في ذلك هو عقدة الضمير الغربي اتجاه اليهود، بسبب المحرقة النازية خلال الحرب العالمية الثانية، وهو ما يتطلب التكفير عن ذلك بالحلّ النهائي للمسألة اليهودية، بإقامة وطنٍ قومي لهم في فلسطين، والتخلُّص منهم كنفايات بشرية مزعجة. إلا أنّ الحقيقة التاريخية تؤكد بأنه -وبالإضافة إلى تلك العوامل السّابقة- فإن هناك عاملا قويّا ومتجذّرا في البنية الثقافية المسيحية، وهو الأساس الديني المشترك بين اليهودية والمسيحية، والذي بذلت فيه “المسيحية البروتيستانتية” منذ القرن 16جهودا جبّارة للانتقال من “المسيحية اليهودية” إلى “الصّهيونية اليهودية”، وخلق تيار غربيّ قويّ، ينحاز دائما إلى الحركة الصهيونية، ويضغط على المؤسسات الرسمية فيها لتقديم هذا الدعم المطلق، من أجل تحقيق تلك النبوءات الدينية المشتركة، وهو تغيير جذريّ في الغرب المسيحي، الذي تحوّل فيه من الصراع التاريخي الدموي بين اليهودية والمسيحية إلى التحالف الاستراتيجي الذي يتحكّم في أدوات الصراع الحالي والمستقبلي، مع العدو المشترك، وهو “الإسلام”، والذي يتمثَّله الآن “محور المقاومة”.
وفي كتابها “النبوءة والسياسة.. الإنجيليون العسكريون في الطريق إلى الحرب النووية” للكاتبة الأمريكية “جريس هالسل”، والذي ترجمه الدكتور “محمد السّمّاك” تتحدث فيه عن المنطلقات الفكرية التي تطرحها الحركة الصهيونية المسيحية والمنظمات الكنسية في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي كوّنت ضميرا دينيّا جماعيّا بوجوب الدعم المطلق لإسرائيل، تحقيقا للنبوءات التوراتية، بما يتوافق مع الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل في فلسطين، والأهداف الإمبريالية للغرب بقيادة أمريكا في المنطقة، على اعتبار أنّ “دولة إسرائيل هي الخط التاريخي لمعظم أحداث الحاضر والمستقبل”، وأنّ العالم كلَّه يجب أن يتمركز على “إسرائيل” في الشرق الأوسط.
ويعترف الرئيس الأمريكي الأسبق “جيمي كارتر” خلال خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي سنة 1979م بأنّ الرؤساء الأمريكيين الذين سبقوه جسّدوا الإيمان، بأن جعلوا علاقات أمريكا بإسرائيل أكثر من علاقات خاصة، فهي فريدةٌ ومتأصّلة في ضمير الشعب الأمريكي، وأنه يتقاسم مع الإسرائيليين نبوءات التوراة. ويعكس هذا البعد العقائدي في العلاقة بينهما ذلك القرار الذي اتخذه الكونغرس (مجلس الشيوخ والنواب) سنة 1995م باعتبار القدس عاصمة موحّدة لليهود، ويجب نقل السفارة الأمريكية إليها، وهو ما يؤكد بكلّ وضوح بأنّ الأصولية الإنجيلية المتصهينة لا تقدّم نبوءات دينية فقط، بل هي من ترسم السياسة الخارجية لأمريكا اتجاه العالم العربي والإسلامي، ولو على حساب المصالح الأمريكية نفسها، إذ أنّ سياساتها اتجاه الصراع العربي- الإسرائيلي يجب أن تتكيّف مع المعتقدات الدينية الأصولية كمعطى إلهيّ مقدّس.
وتعترف الكاتبة بأنها تربّت وترعرعت على الإيمان بالديانة المسيحية، وأنهم كمسيحيين يؤمنون بوصايا الكتاب المقدّس، وهي نبوءات واضحة، وهي: عودة اليهود إلى فلسطين وقيام إسرائيل، وهجوم “أعداء الله” (محور الشر) على إسرائيل، ووقوع محرقة “هرمجيدون” النووية، وانتشار الخراب والدمار وقتل الملايين، وظهور المسيح المخلّص، وإيمان مَن بقي من اليهود بالمسيح، وانتشار السلام في مملكة المسيح مدة ألف سنة.
إنّ هذا المعتقد المسيحي الإنجيلي بأنّ عودة المسيح مشروطة بقيام دولة صهيون، وهجرة كلّ يهود العالم إلى أرض الميعاد (فلسطين)، وأنّ اليهود هم “شعب الله المختار”، يتطلب الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل، وإعفاءها من كلّ التزام أمام القوانين الإنسانية والمواثيق الدولية، لأنّ إسرائيل لا تخضع إلا إلى معتقداتها التلمودية، وهو ما يفرض على أمريكا حتمية الاستجابة إلى جميع مطالبها في الدعم السياسي والمالي والعسكري، وضرورة تعزيز ترسانتها العسكرية، وضمان تفوّقها على العالم العربي والإسلامي.
إنّ هذا المعتقد يجعل تأييد أمريكا للكيان الصهيوني ليس اختيارا، بل هو قضاء إلهيّ، وأنّ الوقوف ضدّه هو وقوف ضدّ الرّب، يستدعي غضبه وعقابه. هذه الشرعية المسيحية الدينية الغربية على الاحتلال النازي والإرهاب الصهيوني، وتحوّل رسالة المسيح من رسالة المحبة والسلام إلى رسالة القتل والحرب والإبادة، وهذا الغطاء الديني للحرب النووية، يكشف عن أخطر أشكال التبرير الديني في تاريخ الإنسانية، وما هذه الجرائم المدوّية، والمجازر المروّعة، والفضاعات المفزعة التي يرتكبها العدو الصهيوني في فلسطين ولبنان وسوريا واليمن، والتهديد بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وتوسيع دائرة الصراع في المنطقة، إلا ثمرة خبيثة لهذا التزوير الخطير للمسيحية واليهودية.
وتعدّ إسرائيل أكبر المستفيدين من المساعدات الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، فقد أكّدت بيانات “الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية” أنّ حجم المساعدات الإجمالية بين عامي 1946م و2023م بلغت أكثر من 260 مليار دولار، وأنّ حجم المساعدات العسكرية فقط بلغت أكثر من 123 مليار دولار، كما تعهدت أمريكا سنة 2016م بتقديم 38 مليار دولار من المساعدات العسكرية بين 2019م إلى 2028م، وتوفير الكميات المطلوبة من الأسلحة وأجهزة السيطرة والتحكّم والاتصالات والاستخبارات والتعقُّب وجمع المعلومات.
والهدف من هذه المساعدات العسكرية هو الحفاظ على “التفوّق العسكري النوعي” لإسرائيل على الجيوش المجاورة، كما تستفيد إسرائيل من مخزون الطوارئ الأمريكي في إسرائيل منذ 1984م (نحو 4.4 مليارات دولار من المعدات العسكرية). كما لم تبخل أمريكا على الكيان الصهيوني بالدعم السياسي والديبلوماسي باستخدام “حق الفيتو” لإحباط كل القرارات التي تدين إسرائيل، فقد بلغ عدد مرات استخدام الفيتو الأمريكي لصالحها 45 مرة بين عام 1972م و2023م، بل تفرض عقوبات سياسية واقتصادية على الدول التي تصوّت ضدّ إسرائيل.
سرَّعت إدارة “بايدن” تقديم المساعدات العسكرية لإسرائيل، وشملت: 14 ألف قنبلة من وزن 2000 رطل، و6500 قنبلة من وزن 500 رطل، و3000 صاروخ جو- أرض موجّه بدقة، و1000 قنبلة خارقة للتحصينات، و2600 قنبلة صغيرة تلقى جوّا، كما أشار تقرير لوكالة “بلومبيرغ” إلى تسلُّم إسرائيل أسلحة وذخائر أخرى، منها: 36 ألف طلقة من ذخيرة المدافع، و1800 من الذخائر الخارقة للتحصينات، و3500 جهاز رؤية ليلية، وطلبت 200 طائرة مسيّرة خارقة للدروع.
وأما عن الدعم الاقتصادي، فقد بلغت هذه المساعدات بين عامي 1946م و2020م -بحسب الإحصاءات الرسمية- نحو 34.3 مليار دولار، بالإضافة إلى المساعدات غير الرسمية من قبل المؤسسات والجمعيات الأهلية الأمريكية، والتي تصل، حسب بعض التقديرات، إلى ما يقارب حجم المساعدات الحكومية ذاتها.
وأما عن الدعم الاستثنائي وغير المسبوق في تاريخ العلاقات المقدسة بينهما، وذلك خلال سنة من معركة “طوفان الأقصى”، ومع اتهام إدارة “بايدن” بالبيروقراطية، بإخفاء كميات المساعدات الحقيقية، فقد أشارت تقارير أنها بلغت 17.9 مليار دولار مساعدات عسكرية، و4 مليارات دولار لتجديد القبة الحديدية وأنظمة الدفاع الصاروخي ووقود الطائرات، بالإضافة إلى 4.86 مليارات دولار كتكاليف الحملة البحرية الأمريكية ضدّ الحوثيين باليمن، وهو رقمٌ قياسي خلال عام.
وحسب تقارير “خدمة أبحاث الكونغرس”، وهي الجهة البحثية التي تمدّ أعضاء الكونغرس بالمعلومات والبيانات اللازمة، فقد سرّعت إدارة “بايدن” تقديم المساعدات العسكرية والأمنية لإسرائيل، والتي شملت: 14 ألف قنبلة من وزن 2000 رطل، و6500 قنبلة من وزن 500 رطل، و3000 صاروخ جو- أرض موجّه بدقة، و1000 قنبلة خارقة للتحصينات، و2600 قنبلة صغيرة تلقى جوّا، كما أشار تقرير لوكالة “بلومبيرغ” إلى تسلُّم إسرائيل أسلحة وذخائر أخرى، منها: 36 ألف طلقة من ذخيرة المدافع، و1800 من الذخائر الخارقة للتحصينات، وما لا يقل عن 3500 جهاز رؤية ليلية، وطلبت 200 طائرة مسيّرة خارقة للدروع.
إنّ هذا الدعم التاريخي، والمغلَّف بالتبرير العقائدي الديني، والمتنوّع بين السياسي والعسكري والاقتصادي، بما يضمن التفوُّق الصهيوني في المنطقة، والذي يطلق اليد الصهيونية لارتكاب كلّ الجرائم التي فاقت كلّ الوصف والخيال، وأمام هذه الحصانة الأمريكية لإفلات هذا الكيان الفاشي من العقاب، والشراكة المباشرة وغير المباشرة في هذه الممارسات النازية، كلّ ذلك يرتّب على أمريكا المسؤولية الأخلاقية والقانونية على كلّ هذا الإجرام غير المسبوق في تاريخ البشرية، يجعل من أمريكا العدو الأول للعالم العربي والإسلامي، بل والعدو الأكبر للإنسانية جمعاء.
إنّ الخطاب السياسي والفعل العسكري الأمريكي اتجاه القضية الفلسطينية منذ قيام هذا الكيان النازي سنة 1948م وإلى غاية هذه الحرب المجنونة منذ أكثر من سنة، يجعل أمريكا شريكا فعليّا في كلّ الجرائم التي تتعرّض لها الأمة العربية والإسلامية، ما يفرض علينا النظر إليها كعدوّ حقيقيّ يجب معاملته بما يستحقّ.