الرأي

عن الذين يتشبثون بأذيال الظلم!

لم تعد فلسطين هي المقياس الذي نقيس به مدى صواب سلوكنا الدولي، بل باتت هي المقياس الذي يقيس من خلاله العالم برمته هذا السلوك. ابحث عن موقف الدولة أو الفرد من فلسطين لِتعرف مَن يكون وتعرف وجهته وتعرف كيف ينبغي لك التعامل معه.
وعندما نقول فلسطين، نقول بالمقابل النقيض لها، ما يسمى بـ”إسرائيل اليوم”. ابحث عن الدول التي تدعمها وتقف إلى جانبها وتُساندها في احتلالها لفلسطين وفي إبادتها للشعب الفلسطيني لِتعرف أي موقف ينبغي أن تتخذه منها. لقد بات العالم اليوم يملك مقياسا واضحا يختزل كافة الأبعاد التاريخية والسياسية والاقتصادية والإنسانية يمكن بسهولة معرفة من خلاله مَن يكون وكيف ينبغي أن نكون معه. ليس هناك مجال للخطأ. لقد ثبت ذلك بالوقائع وليس من خلال الآراء والتحاليل. بقدر الوقوف مع فلسطين ومع الشعب الفلسطيني بقدر ما تكون مع الإنسانية ومع العدل ضد الظلم والعدوان، وبقدر ما تكون في الصف الآخر بقدر ما تكون مع استعباد الآخرين والغطرسة والظلم والعدوان غير المحدود. فتبًّا لمن اختار هذا الخيار الأخير، ومصيره إن اليوم أو غدا الانكسار.
يُمنِّي أصحاب هذا الخيار أنفسهم بالارتكاز على قوة المال وقوة والسلاح وعلى القدرة العالية على التخريب، ويزهو البعض منهم بأنه اصطف إلى جانب الأقوى والأقدر والأكثر نفوذا في العالم! والواقع أنهم أخطأوا الطريق وأخطأوا الخيار، لأن الوقائع اليوم تُبيِّن أن هناك قوى صاعدة أكثر عدلا وأكثر حزما وأكثر قدرة على المقاومة، هي التي تسير نحو تحقيق النصر، وليست أبدا قوى الشر هذه التي يريد أن يلتحق بآخر الركب فيها بعض من يعتقدون أنها ستُنقذهم من الغرق!
بوادر انتقال القوة إلى المعسكر الأقرب للعدل تلوح في الأفق، من شعور أهل غزة وفلسطين بالانتصار على عدوهم رغم الإبادة والدّمار، إلى بقاء المقاومة صامدة في لبنان واليمن وإيران رغم استخدام كافة أساليب القتل والدّمار واستنفاد جميع وسائل الغدر والتخريب الداخليين… وبوادر التحول في معسكر الظلم ذاته باتت تلوح في الأفق من انقسامات داخلية حادة في الولايات المتحدة الأمريكية وتفكك داخلي وهجرة داخلية غير مسبوقة في المجتمع الإسرائيلي المصطَنع، وتبلور مواقف واضحة في الغرب الأوروبي من فلسطين داخل الأحزاب المعارضة لأنظمة الحكم القائمة كما في فرنسا أو بلجيكا أو لدى الأحزاب الحاكمة كما في اسبانيا.
وتُتَوَّج كل هذه التحولات بتلك التي تبرز على مستوى النخبة ذات الأثر الكبير على المجتمعات الغربية بما في ذلك داخل الكيان الاسرائيلي أو الولايات المتحدة أو أوروبا. أما نخبة العالم الرافضة للظلم، فرغم الحصار المفروض عليها إعلاميا، فإن صوتها مافتئ يرتفع منذ أن خرج ملايين الناس يهتفون بالحياة والحرية لفلسطين في شتى أنحاء العالم.
قبل أيام فقط، وقفت النخبة العالمية السينمائية لمدة 25 دقيقة تُصفق من دون انقطاع للفيلم الوثائقي Naza الذي كشف ظلم الصهاينة واعتداءاتهم في غزة، مُعزَّزا بشهادات الفاعلين أنفسهم من جيش الاحتلال! وسجَّل الإعلام العالمي أنه لم يحدث عبر التاريخ أن قام رجال فن وثقافة لمدة 25 دقيقة يصفقون من دون انقطاع لتأييد عمل فني مثل هذا كشف حقيقة الصهيونية وحقيقة من تحالف معها وأيَّدها أو التحق بركبها متأخرا اليوم.
لقد باتت الطريق واضحة بعد الذي رأيناه وعرفناه، هناك من يعمل من أجل نصرة الحق على الظلم ويتمسك بما لديه من عناصر قوة معنوية ومادية بدأ يكتشفها بداخله، وهناك من يسعى جاهدا لعله يمسك بأذيال ثوب “اسرائيلي” ظالم مزَّقته ضربات المظلوم الموجِعة، واهِما أنه سينجو من السقوط الأخلاقي والسياسي والاقتصادي الذي ينتظره.
يكفي بلدنا شرفا، أنها لم تحد عن طريق الحق الذي رسمه لها شهداؤها الأبرار… أما الذين ما زالوا يحاولون الإمساك بأذيال مؤخرة غيرهم، فمصير هذه الأذيال أن تتقطع ذات يوم… ومع آخر خيط منها، آخر تَوسُّل وتَسوُّل منهم، سيتحولون إلى بقايا كائنات ملقاة على هامش طريق الظلم هذا، يتأفف الناس من رؤيتهم ويتذكرون أن هكذا هو مصير المتشبثين بأذيال الظلم…

مقالات ذات صلة