عهد جديد
أعلن الفلسطينيون في “فتح” و”حماس” أنهم تصالحوا، فطربت قلوب أبناء الأمة والأحرار في العالم، واكتشفنا معا أن الانقسام لم يكن إلا دربا من دروب الشيطان، وقد أمرنا بالابتعاد عنه، واكتشفنا أن الانقسام الفلسطيني لم يكن إلا برعاية إقليمية، وأن نظام مبارك هو الراعي الأساسي له..
-
وأن اللاعبين الصغار في أدوارهم أو أحجامهم كانوا يتلذذون بالانقسام، ويرقصون على حباله، وعلى جثت الفلسطينين.. وكان من الصعب أن نتخيل أن هناك فرصة للمصالحة بين التنظيمين الكبيرين، في ظل تلك الظروف.. وبدأ العالم يتكيف أو يهيء الأدوات للتعامل مع الفلسطينيين، على اعتبار أنهم شعبان، واحد في الضفة والآخر في غزة، أما فلسطينيي الشتات، فلا نائحة عليهم..
-
وفي لحظات تاريخية ستحفظها الأجيال القادمة، همسة همسة وحرفا حرفا، انطلقت ثورات الشعوب لتطيح بأزلام الشيطان وأقانيمه، وتلغي دورا مشينا للنظام الذي لم يجد دورا له إلا في إذلال الفلسطينيين والتامر على الأمة.. وكانت ثورة مصر بحجم طموح الأمة، وبحجم التحدي التاريخي، وخرج الشعب من تحت الركام يهتف لفلسطين وللعرب. .وكان القضاء على الانقسام قرارا من روح الثورة المصرية.. وهكذا التقت إرادة شباب فلسطين مع إرادة شعب مصر وقيادة ثورته في إنهاء الانقسام.
-
أجل إنه عهد جديد تسير فيه شعوب الأمة نحو مستقبل، سيكون لها الدور الكبير في صياغته، ولقد ولى إلى غير رجعة زمن الضياع والسير على خارطة الطريق الأمريكية.. ومهما جعجعت الأبواق الصهيونية، فإنها لا تعبر إلا عن صدمتها وعن خيبة آمالها، والاسوأ بالنسبة لها أنها تعبر عن خطأ الحسابات الاستراتيجية..
-
لقد جاءت الوقائع بعد انتصار ثورة مصر، لتقول للدنيا كلها:لم تعد مصر هي مصر.. فمصر عادت لذاتها ومحيطها، وكما قال رئيس اركان جيشها “إن الجيش المصري ليس فقط لحماية مصر، بل هو لحماية الأمة العربية كلها” وكما كان مفاجئا، وقف الغاز لإسرائيل وإعادة محاسبة كل ما فات في هذا الخصوص.. بل إن المراجعة تشمل كل شيء، لتخرج مصر بكامل حريتها وعافيتها.
-
وكما كان إنهاء الانقاسم أحد إنجازات الثورة المصرية، ومعبرا عن إرادة الشعب الفلسطيني، فهو كذلك رسالة مهمة لكل اللاعبين، على وقع التناحر في صفوف الأمة، ومؤكدا لهم أن الأمة واحدة، وأن كل الحسابات التي تتخذ في ظل الانقسام إنما هي محض هراء وسراب.
-
وهناك إشارة مهمة لموقف سياسي اتخذه بعض العرب، حيث رفضوا الغوص في الشقاق والتنازع الفلسطيني، فكان موقفهم عين الحكمة، فلئن لم يستطيعوا ـ لأسباب موضوعية ـ القيام بإصلاح ذات البين، فلا أقل من الوقوف مع الطرفين بروح أخوية، حتى تنزاح هذه الغيمة.. وفي هذا الصدد، لابد من تسجيل الاحترام البالغ للموقف الجزائري المنحاز دوما للكل الفلسطيني.. دونما تفريق.