-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عواقب انحسار البعد الروحي لخطابنا المسجدي!..

حمزة يدوغي
  • 971
  • 0
عواقب انحسار البعد الروحي لخطابنا المسجدي!..

إن الإنسان عندما يلحظ حجم المساحة الواسعة المتزايدة التي يمتد فيها الخطاب الديني بمفهومه الواسع الذي لا ينحصر في الخطاب المسجدي أو البرامج المخصصة للفتوى التي تبثها مختلف قنوات الإعلام، وإنما أعني به كل النشاط الفكري الديني الذي يتناول مختلف مجالات العلوم والمعارف من منظور إسلامي ومجالات الحياة الأسرية والعلاقات الاجتماعية عموما، إلى جانب ولع البعض بإضافة صفة “إسلامي” و”إسلامية” إلى ما شاءت لهم نظرتهم “الشكلية” إلى الإسلام فأصبحنا نسمع بالطبخ الإسلامي والرياضة الإسلامية والدواء الإسلامي، بل وبالسوق الإسلامية!

أقول : عندما يلحظ الإنسان هذاالحضور القوي” “للإسلامفي مناخنا الإعلامي والمعرفي والاجتماعي ويلحظ هذه الوفرة المتزايدة للمعارف الدينية وسهولة تحصيلها والإقبال المتزايد عليها، ثم يبحث عن الثمار المرجوة من ذلك كله في سلوكنا الفردي والجماعي فإنه يصدم بحقيقة لا تبعث على  السرور لأنه يجد الخط البياني لواقعنا الديني يسير معاكسا لهذا الخط الفكري المعرفي والنشاط الدعوي عموما الذي يمضي صعدا إلى أعلى!

وهنا لا يملك هذا الإنسان إلا أن يتساءلبكل عفوية وسذاجة” : لو أن كل متدين نهته صلاته فعلا عن الفحشاء والمنكر، ولو أن كل حاج وكل معتمر، ولو أن كل حريص على أداء صلاة الجماعة في مساجدنا العامرة والحمد لله، ولو أن كل شغوف بالتفقه في الدين، مولع بالاستماع إلى مختلف الدعاة والوعاظ والمرشدين.. لو أن كل واحد من هؤلاء جسد في سلوكه العفوي اليومي ما اقتنع به عقله وخزّنته ذاكرته من الحقائق والمعارف الدينية وأصبح قدوة عملية مؤثرة في محيطه الأسري الخاص وفي محيطه الاجتماعي العام، أكنا نشهد هذا التردي الأخلاقي المزري وهذا الانحسار العجيب للقيم الدينية في واقع حياتنا الاجتماعية عموما؟!

فأين الخلل..؟! وما تفسير هذا التناقض ؟! هل هي أزمة معرفة دينية؟! هل المشكلة في قلة العلم أم أنها في قلة العمل بما نعلم؟!

فإذا سلمنا بأن أزمتنا في قلة العمل بما نعلم فإن العلاج في هذه الحال يتوجه إلى النفس لا إلى العقل، لأن المسألة تتعلق بأمراض القلوب التي تداوى بتزكية النفس لا بتنوير العقل بمزيد من المعارف الدينية، ولكن ما هو السبب الكامن وراء هذه الأزمة؟!

لا شك أن لذلك أسبابا عديدة، لكن السبب الرئيس في نظري يعود إلى هذا الغياب الذي يكاد يكون كليا للبعد الروحي في الخطاب الديني عموما وفي خطابنا المسجدي بشكل خاص!

إن المؤمن الذي يتوجه إليه هذا الخطاب إنما هو عقل ووجدان، والعقلكما هو معلوملا خيار له أمام الحقائق العلمية، دينية كانت أو غير دينية، بمعنى أنه لا يملكبعد النظر والتحليل والاستنتاج  – إلا الاقتناع والتسليم، ولكن تطبيق هذا الذي اقتنع به عقله وتجسيده في سلوكه هو أمر إرادي يحتاج إلى دافع من داخل الذات لا من خارجها، دافع يأمر الجوارح بالتنفيذ، وهذه قضية عاطفة، لها ارتباط بالنفس.. بالروح لا بالعقل!

فإذا لم يستثر الوجدان ولم تهتز العاطفة ولم يخشع القلب ولم تدمع العين فإننا لا ننتظر أن يستجيب المؤمن لتوجيهات هذا الخطاب ومواعظه وإرشاداته لأنه لا يريد أن يجد في مضمون هذا الخطاب المسجدينسخة أخرىمكررة لما يجده في الخطاب السياسي والخطاب الإعلامي والخطاب الثقافي التحليلي، النظري وفي غير ذلك من المنابر!. الخطاب المسجدي يواكب الواقع ويعيش أحداثه ومشكلاته، هذا أمر لا يجادل فيه عاقل، لكنه لايشخصلأن وظيفته ليست تحليلا سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا لما يضطرب به هذا الواقع، وإنما وظيفته أن يحمل المؤمن على تجديد إيمانه وإحكام صلته بربه سبحانه وشحذ همته وعزمه ليقوم بواجبه الذي لا يقوم به غيره من أجل إصلاح هذا الواقع المضطرب لأنهمسؤول وحده عن رعيتهوالنهوض بالمسؤولية ليست مهمة العقل وحده، بل هي مسألة ضمير ديني تضطرب فيه عاطفتا الخوف والرجاء!.

إن جميع مؤسسات المجتمع التعليمية وجميع مصادر العلم والمعرفة على اختلاف تخصصاتها تنير عقل الإنسان وتغنيه بشتى الحقائق العلمية والمعارف الدينية وغير الدينية، لكن المسجد وحده هو الذي يقومبإخضاعتلك الحقائق والمعارف كلهاللعاطفةثم يشحن الإرادة ليحولها بعد ذلك إلىفعل، فتتجسد في السلوك. في الواقع!.. “فالبعد الإيماني الروحيهو الأصل، فقد يدعن العقل عندما يقتنع بما يسمع وبما يقرأ، ويسلم بواجب العمل بذلك كله، لكن الجوارح لا تستجيب إلا اذا أذعنت العاطفة، والعاطفة لا تنقادبالاقتناعوإنما تنقاد بالإثارة!

إن الخطاب الديني عموما أصبح يحظى باهتمام متزايد، والجزائر تتوافر ـ بحمد الله ـ على أئمة يمتلكون كفاءات علمية إسلامية عالية، وهم يساهمون في مختلف الندوات والملتقيات التي تنظم لبحث كيفية ترقية هذا الخطاب وتطويره والوقوف على مواطن القوة والضعف فيه، سواء في مجاله العلمي أو التربوي أو الإعلامي، ولكن قلّ أن يتم التركيز في هذه الندوات والملتقيات على الأساس الروحي لهذا الخطاب، ودليل آخر على ذلك أن حجم ما تخرجه المطابع من الكتب الدينية قد عرف في العقد الأخير وحده مالم يعرفه في عقود، لكن الكتاب الديني الذي يتمحض للحياة الروحية مايزال نادرا!.. وأنا لا أقصد هنا الكتاب الديني الدراسي النظري وإنما أقصد الكتاب الديني يتوجه مؤلفه مباشرة إلى الجانب الروحي في حياة الإنسان ليقوي فيه نزوعه إلى عنصره النوراني وتساميه عن عنصره الترابي الذي يجذ به إلى أصله، في هذا العصر الذي طغت فيه النزعة المادية المحمومة التيشيّأتالإنسان وجعلته إما مستهلكا وإما مستهلكا!..

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • أحمد عليان

    مقال رائع بارك الله في كاتبه و ناشره .. انه عينة من كنز نحن في اشد الحاجة اليه ..

  • عبدالحق صبيان

    هم سكان المدينة غير النظيفة والنظافة من الإيمان وتجارها المطففون الذين استمعوا إلى تفسير آية " ويل للمطففين " وهم مسؤولوها الفاسدون الذين يرددون بألسنهم " لعن الله الراشي والمرتشي " و لعل كثير من هؤلاء النصابين والمحتالين والفاسدين والمنافقين الذين يتجولون في شوارع المدينة يدخلون إلى المسجد من باب العادة وليس من باب الإيمان الذي يقوم بالمزاوجة بين ما وقر في القلب وصدقه العمل . هذا ما نبه إليه بن نبي حين انتقد إسلامنا المتغير حسب المواقف فالمسلم في مسجده ليس هو نفسه في
    في متجره أو مكتبه

  • عبدالحق صبيان

    نعم ، هو سر إلهي ولكن بينه الله سبحانه وتعالى في كتابه وفصل بيانه النبي (ص) فالمقال كلهيدور حول الفكرة الجوهرية في الإسلام الذي يوازن بين متطلبات الروح والجسد عند المسلم الذي لا ينبغي أن يهمل أحدهما . ثمَّ يشير الكاتب إلى العلاقة الجوهرية بين العقيدة (كفكرة نظرية ) لا تصلح إلا حين يصدقها العمل . فالمسلم من شهد لا إله إلا الله أما المؤمن فهو من أتبع ذلك بالعمل الصالح .
    والإشكال الذي يشير إليه الكاتب هو الدين النطري والدين العملي فالجوامع مليئة بالمصلين ماشاء الله
    ولكن هؤلاء المصلون ... يتبع

  • عبد العزيز

    وهل الواعظ او المرشد ملتزم بما يقوله

  • تجار من جهة و مسجلات و ببغاوات من جهة أخرى هذا هو الحال

    الروح تلامس الروح و العقل يلامس العقل، لا يمكن الإقناع بخطاب أساسه و هدفه تجاري بحت. كل ما ذكرته من بحبوحة إسلامية جاءت من بحبوحة مالية تعيش من وفرة جهلية. ما الدين إلآ روحانيات؟؟؟ لا يمكن أن يكون لباس و لا أكل و لا فيلات، ما نراه الآن. هو ملابس، أكل سياحة جنس و فقط، و لا يخفى على أحد القاعدة التجارية و المالية لكل هذه الأمور, الخاسر الوحيد الجاهل و الأبله الذي يصدق هؤلاء التجار و يدفع لهم من قوته و قوت أبنائه, و لا يربح رغم ذلك و جه الله لأنه أمر العباد بالتمعن و التأمل و ليس التحول إلى مُسجلات

  • أحمد عليان

    ..تابع خصوصا أن شيوع حديث " الحسنات يذهبن السيئات " فرغم التمييز بين مسائل العبادات و مسائل المعاملات الا أن الاتجاه العام يميل الى التجارة الرابحة .. حسنة بعشر و قد تتضاعف الى سبعين .. و السيئة لا تجازى الا بمثلها ... و ما أكثر و أسهل الحصول على الحسنات ذات الطابع الشكلي من المستحبات كالأدعية , و الصوم في غير رمضان , و مناسك العمرة , و غيرها مما يشعر صاحبها بتمام و كمال بنيته الروحية فيحصل زهد و تراخي في الاستزادة من خصوصيات البعد الروحي المشار اليها في المقال القيم .

  • أحمد عليان

    مضمون معتبر , و أرى ضرورة ضبط مسألة "التنوير الروحي" الذي لا أراه منحصرا في الخطاب الديني ..اذ المفروض أنه منتوج عدة مؤثرات وجدانية تصقل خيرية النفس الانسانية و تشحنها بالمثل العليا الرافعة من شأن الانسان بتدقيق و توسيع و تعميق مختلف الأبعاد المشكلة لما يبدو كمالا ممكنا في المعارف و القيم الأخلاقية و الجمالية ليتوج الكل بقيم روحية عن قناعة صادقة .. تتجاوز حوافز " الخوف و الرجاء" كما هو مفهوم عند العامة , التي يتمحور نشاطها الروحي في جمع الحسنات بمنطق التاجر استهدافا للأجر الذي يتحقق به الرجاء

  • aissa

    بعد السلام إن الموضوع الذي اثرته أيها الكاتب لهوا أعظم كنز يبحث عنه أيٌ مسلم ولا أقول مؤمن لأن مصيرنا الأبدي يعتمد عليه, لكن أظن أن الطريق لإكتشافه يبقى سرا إلاهيًا مختصرا فيي معنى الآية "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين" اللهمَ إهدنا إليك.

  • البشير65

    بارك الله فيك أستاذ،،،مقال رائع لقد وضعت إصبعك على الجرح ،،،،البعد الروحي هو فعلا الحلقة المفقودة في خطابنا الدعوي.......................