عون أمن يُدخل كلباً قاعة الجراحة وطبيب يُجري العمليات مخمورا
في الوقت الذي “بحّ” فيه صوت وزير الصحة الجديد، عبد المالك بوضياف، وهو ينادي بإصلاح المستشفيات و”ترقيتها”، تتعالى أصوات المرضى ويرتفع أنينهم إزاء ما يجري في هذه المؤسسات الاستشفائية التي لم يطلها الإصلاح بعد أكثر من عشر سنوات على إطلاق هذا الشعار، بل تراجع دورها إلى درجة لم يعد غريبا أن يتفق المواطنون على اعتبارها “باطوارات” عمومية لا ينجو منها إلا “طويل العمر”، بينما “يستفيد” الكثير من المرضى من عاهات مستديمة “بركة” من المستشفيات التي لا تترك نزلاءها يغادرون بـ”أيد فارغة”.
وكثيرا ما يكبر حجم الكارثة عندما يتعلق الأمر بالأقسام الحسّاسة في المستشفيات، مثل قسم الإنعاش والولادة والعمليات الجراحية. هذه الأخيرة التي تكتسي أهمية كبيرة، ولكن في مستشفياتنا التي أعلنت القطيعة مع الإصلاح، أصبحت قاعات العمليات الجراحية مثلها مثل أي قاعة لا تستدعي توفير النظافة والتعقيم والحماية اللازمة، بينما توفر “حماية” من نوع آخر للمريض المستلقي على طاولة الجراحة عندما توفر له “كلبا” يحرسه وهو تحت التخدير.. هذا ما جرى بأحد المستشفيات الكبيرة في الجزائر.
ماذا يفعل الكلب في قاعة الجراحة؟
تحتاج قاعات العمليات الجراحية إلى عناية فائقة، ومواصفات معيّنة ترتكز على التعقيم لمنع انتشار الميكروبات والعدوى داخلها بما يجعل المريض الذي يخضع لعملية جراحية يدفع الثمن غاليا، بل قد يكلّفه حياته، يدرك الأطباء والجراحون هذه الحقيقة جيدا، ولكن لأن حياة المرضى لم تعد تعني شيئا بالنسبة إلى بعض الأطباء الذين “استقالت” ضمائرهم، فقد استبيحت بعض غرف العمليات الجراحية بشكل صارخ، إلى درجة أن عون أمن بأحد المستشفيات الكبيرة في العاصمة اصطحب معه كلبا إلى غرفة العمليات، فماذا يفعل هذا الشخص وكلبُه في هذا المكان الذي يحظر دخوله إلاّ على الفريق الطبي المعني بالعملية الجراحية؟ إلاّ إذا كان في مهمة حراسة على المريض، وربما انحرف عن هذه المهمة وانقضّ على إحدى كليتي المريض أو كبده… ومن يدري؟
جرّاح مخمور يجري عملية
وفي نفس السياق، أخبرنا أحد الأطباء الذي رفض ذكر اسمه، أنه عندما كان متربصا في قسم الجراحة بمستشفى في ضواحي العاصمة، شاهد جرّاحا يجري العمليات الجراحية وهو مخمور.. فإذا كان بعض الجراحين يرتكبون أخطاء طبية في حق المريض وهم “صحاة“، فماذا يمكن أن يقترفه هذا الجرّاح وهو في حالة سكر؟ بينما أشعل جرّاحٌ آخر سيجارته فور انتهائه من العملية في محيط حسّاس لا يحتمل أي خطإ، فيما لم يتوان مدير إحدى المؤسسات الاستشفائية في اقتحام غرفة العمليات وطرد الجرّاح الذي كان يتأهب لإجراء عملية لمريض كان مستلقيا فوق طاولة الجراحة ما يدلّ على الاستهتار بحياة المرضى.
مريضة تتعرض لصعقة كهربائية
“إن لم تمت بخطإ طبي ستموت بصعقة كهربائية“، يحدث هذا في أكبر المستشفيات الجزائرية التي يحلم المرضى بالعلاج فيها، وينتظرون أشهرا طويلة لينالوا “شرف” استقبالهم فيها، ولكن غياب الصيّانة المستمرة لقاعات الجراحة، جعل إحدى المريضات تدفع حياتها نتيجة صعقة كهربائية داخل قاعة العمليات الجراحية قبل نحو سنتين، وحسب تقرير لمؤسسة المراقبة التقنية التي عاينت غرف العمليات بالمستشفى، فإن الأجهزة لم تكن موصولة بطريقة تسمح بضمان سريان الكهرباء الساكنة، الأمر الذي تسبّب في خلل وظيفى للمُعدّات ما أنتج شحنات كهربائية كانت السبب وراء مقتل هذه المريضة، وكانت وراء تعرض بعض الأطباء والمرضى الذي كانوا تحت التخدير للحروق في مناطق مختلفة من الجسم.
إخلال بشروط التعقيم
يكتسي تعقيم غرف العمليات الجراحية أهمية بالغة، لأنه يمنع انتقال العدوى والميكروبات إلى المرضى الذين يخضعون للعمليات الجراحية، لذلك ينبغي أن تكون “الأرضيات ملساء وخالية من الشقوق وقابلة للتنظيف بسهولة ويسر، ونفس المواصفات يجب أن تنطبق على الجدران” يقول “زكريا. م“، وهو مسؤول عن تجهيز غرف العمليات، ويضيف في حديثه لـ“الشروق” أن التعقيم ينقسم إلى مجموعة من الأنماط والوظائف، ويعتبر التعقيم بالغاز من أفضل أنواعه وأنجعها، ولكن لا يمكن استعمال الغرفة إلاّ بعد مدة لا تقل عن 24 إلى 36 ساعة الأمر الذي لا يتلاءم مع المستشفيات الصغيرة ذات الغرف المحدودة. أما النوع الثاني من التعقيم فتستعمل فيه المحاليل ولا يستغرق تعقيم الغرفة أكثر من 15 دقيقة، والنوع الثالث من التعقيم يكون بالأشعة، ويشمل الأشعة فوق البنفسجية، حيث يستغرق تعقيم الغرفة من 120 إلى 150 دقيقة. ومن بين الأخطاء الشائعة التي تتكرر من طرف الفريق الطبي– يقول زكريا– عدم تغطية الشعر جيدا بالنسبة إلى الطبيبات، ونزول القناع عن وجه الجرّاح دون أن ينتبه. وأكدّ محدثنا على ضرورة تعقيم الغرفة جيدا، لأن أي خطإ مهما كان بسيطا سيكّلف المريض حياته “يكفي أن نعرف أن نزول قطرة عرق واحدة من جبين الجرّاح داخل الجرح من شأنه أن يسبِّب التهابات قاتلة، لذلك على مساعد الجرّاح أن يقوم بتجفيف جبينه باستمرار“. هذا بالإضافة إلى عدم تقيّد الممرضين والممرضات بشروط التعقيم، حيث يعزفون عن ارتداء المعطف المعقّم، ولا يتوانون عن الدخول والخروج من قاعة العمليات وكأنهم في عرس، الأمر الذي يتسبّب في نقل العدوى إلى القاعة.
غياب التكوين لدى أعوان النظافة
وتأتي المشارط الصّدئة والتجهيزات القديمة التي لم تعد صالحة لإجراء العمليات الجراحية من أكثر المشاكل التي تعاني منها مستشفياتنا، ناهيك عن “الأوساخ” و“الكافار” الذي يتجول داخل غرف العمليات بحرِّية مع أنها من المفروض أن تكون معقّمة، يقول ممرض سابق بأحد المستشفيات، ويتابع: “بالإضافة إلى ما سبق، نسجّل غياب التخصص لدى أعوان النظافة، لأن تنظيف المستشفيات دراسة وليس “تسياق“، فغرف العمليات لا تُنظف بالطريقة نفسها التي تنظف بها القاعات الأخرى منعا لانتقال الأمراض والعدوى” ونظرا إلى عدم مراعاة هذه الشروط يتعرض الكثير من المرضى لأمراض أخرى تتعلق أساسا بغياب التعقيم، وهو الأمر الذي حدث مع السيدة قمرة بوراس التي تعرضت “الشروق” لحالتها في عدد سابق، حيث أصبحت عاجزة تماما عن الحركة لمدة تزيد على عشر سنوات، فمتى تتحرك وزارة الصحة وتُخضع القطاع “لعملية جراحية” تستأصل الفساد في المستشفيات وتقوّم اعوجاجها؟