الرأي

غار جبيلات.. مشروع دولة جيو إستراتيجي!

من الخيارات الإستراتيجية التي سيخلّدها التاريخ في حكم الرئيس عبد المجيد تبون، هي تلك النزعة الوطنية الجامحة والإرادة الميدانية في التوجّه نحو تنويع موارد الدولة وتحرير الاقتصاد من التبعية للمحروقات والثروات الطبيعية، ولو بشكل تدريجي متوسط وبعيد المدى، لأنّ المشاريع الكبرى تبدأ بقرارات شجاعة ومدروسة.
اليوم تنجح الجزائر في تنفيذ مشروع استغلال غار جبيلات، ذاك العملاق الذي ظلّ نائما طيلة عقود من الاستقلال الوطني، فهو يختزن ثالث أكبر احتياطي عالمي من خام الحديد بقيمة 3.5 مليارات طن، حسب الأرقام الدقيقة، مع إنجاز بالموازاة خط طويل للسكة الحديدية في الجنوب الغربي للبلاد، ما سيفتح آفاقا واسعة للاقتصاد الجزائري.
وتشير تقديرات الخبراء إلى أنّ ما بات يُعرف بـ”مشروع القرن” في الجزائر، بالنظر إلى إمكاناته الهائلة، سيكون قادرا في وقت لاحق على ضخّ نحو 15 مليار دولار سنويا من صادرات الحديد، أي ما يعادل 20 بالمائة من قيمة صادرات المحروقات حاليا، ومن ثمّ، القفز بالصادرات الوطنية خارج المحروقات إلى عتبة 30 مليار دولار في غضون السنوات القليلة المقبلة، وتحويل الجزائر من بلد مستورد إلى مصدّر عالمي لمادة الحديد.
يضاف إلى ذلك، فتح ورشات منجمية أخرى هائلة، للاستثمار في استخراج واستغلال ثروات طبيعية ومعادن ثمينة، على غرار الفوسفات والذهب والزنك والرّصاص.
نقدّر كل الآراء المختصة التي خاضت في جدوى المشروع من منظور علمي تقني واقتصادي براغماتي، وهي، بلا شكّ، تعبّر، من حيث المبدأ، عن روح وطنية في الدفاع عن المصلحة العامة، لكن الواقع يؤكد أن مشروع غار جبيلات يتجاوز في أبعاده الإستراتيجية والجيو-سياسية والتنموية لغة الأرقام والحسابات والمردود المالي من دون أن يلغيها.
لولا أهمية المشروع، لما تداعى ذباب الاستخبارات المخزنية وإعلام فرنسا الموجّه إلى التكالب على المشروع منذ إعلان السلطات العمومية عن الانخراط فيه، وقد بلغ بهم الهوس هذه الأيام حدّا لا يُطاق من خطاب الشحن السياسي ضد الجزائر، وهاجت أطماعهم المريضة في الاستفادة من عوائده بأثر رجعي، بناء على مقترح “اتفاقية شراكة” لم يتم إنجازها عام 1972، بسبب النية المُبيّتة من جار السوء، وتمسك الجزائريين بالطابع السيادي لمنطقة الاستغلال (يمكن العودة إلى تفاصيل المفاوضات في مذكرات المرحوم بلعيد عبد السلام).
من المؤسف أن يتقاطع مع أحقاد الأعداء جزائريون يحملون لواء المعارضة، من دون التفريق بين الموقف السياسي من سلطة وأشخاص عابرين وسيادة الدولة ومصلحتها العليا، فتجدهم يقفون دوما ضدّ كل القرارات والخيارات، حتى لو وضعهم ذلك في صف العدوّ التقليدي لبلادهم.
وعود على بدء، فإنّ “غار جبيلات” مشروع سيادي بالدرجة الأولى، سيساهم أساسا في وصل ربوع الجزائر العميقة على مسافات تقارب 1800 كلم بين شمالها وجنوبها (العاصمة تندوف)، حيث المواصلات العصرية والآمنة هي عصب الحياة وشريان الاقتصاد والإعمار، فضلا عن الآفاق التنموية الهائلة التي يتيحها لأبناء المنطقة المعزولة في أقاصي الصحراء الشاسعة.
إنّ الدول التي تسوسها قيادات راشدة، برؤى بعيدة المدى، تستثمر أموالها الطائلة، ضمن مقاربات تنموية اجتماعية، لأجل تأمين حزامها الحدودي وحماية أمنها القومي، وتحقيق العدالة الجهوية، خاصة في المناطق الحساسة، حيث يحتاج السكان إلى ظروف الاستقرار والإحساس الفعلي بالانتماء إلى المجموعة الوطنية ورعاية الدولة لمواطنيها، بأداء كل حقوقهم في الكرامة الإنسانية وتوفير الخدمات العامة وكافة سبل الرفاهية المدنية.
من واجب الدولة تنمية كل منطقة تتبع لمجالها الوطني، مهما كان بُعدها عن المركز وارتفعت كلفة النفقات عليها، خاصة بالنسبة لبلدان حباها الله بجغرافيا ممتدة الأوصال، ودفعت الأثمان الباهظة لتثبيت سيادتها على تلك الأقاليم بالبارود والدم، فلا يمكنها، بعد أن أصبحت حرّة سيّدة في قرارها، أن تتركها عذراء مهملة وفريسة سهلة للمتربّصين بالوطن.
في مثل تلك الحالات، تصبح المشاريع التنموية استثمارا وطنيّا قائما بذاته، يسمو فوق منطق الأرقام والأرباح المجرّدة، لأنّ حماية الوطن والحدود والسيادة هي رأس المال الأول، والباقي كله تفاصيل وحسابات جزئية في منطق الدولة.
لا يعني ذلك أبدا، أنّ مشروع غار جبيلات يأتي بدوافع جيو- إستراتيجية محضة، تضع الخزينة العمومية أمام مخاطر الاستنزاف، مثلما يروّج المتشائمون والمخطئون في تقديراتهم والحاسدون، بل هو خيار اقتصادي وطني تنموي سيادي متكامل الأبعاد، وما أوردناه ليس إلا من باب التذكير الضروري.
اليوم، وقد نجحت العزيمة الجزائرية، خلال ظرف قياسي، في شقّ الخط السككي المنجمي الغربي على مسافة تقارب 1000 كلم، ليدخل معه منجم غار جبيلات حيز الاستغلال، في انتظار تطوير صناعة الحديد والصلب أكثر، لرفع الصادرات المصنعة، بدل المواد الخام، يحق للجزائريين الافتخار بالمنجز التاريخي الكبير، وأن يرفعوا من سقف التطلعات الوطنية، لإنجاز مكاسب أخرى، ولا نامت أعين الأعداء في كل مكان.

مقالات ذات صلة