غدر وخيانة!
لا يمكن وصف الطريقة التي استدرج بها عبد الله السنوسي إلى موريتانيا، إلا بالغدر والخيانة، خصوصا وأن التقارير تتحدث أن نواقشط أعطت تطمينات للرجل، وأوهمته بأنها ستوفر له الحماية في إطار مواقفها التي كانت متعاطفة جدا مع نظام القذافي.
صحيح أن السنوسي كان أستاذا في الإجرام، قتل الليبيين وعذّبهم وارتكب مجازر جماعية في حقهم، وكان المسؤول الأول على مجزرة سجن أبو سليم، حين أشرف بنفسه على قتل أزيد من 1200 سجين بدم بارد، لكن هذا لا يعطي الحق للسلطات الموريتانية ولا لغيرها أن تتآمر مع الفرنسيين وتنصب له فخا للقبض عليه والمساومة به سياسيا.
الجزائر لازالت ترفض تسليم عائلة القذافي رغم الضغوط والمطالبات التي تصل في بعض الأحيان إلى التشهير والابتزاز، بحجة أن استقبال عائلة القذافي كان لدواع إنسانية وأن أفرادها الموجودون في الجزائر غير متورطين في جرائم، وغير مطلوبين لدى محكمة العدل الدولية، وتونس ترفض تسليم البغدادي المحمودي، لأن ليبيا لا تملك مؤسسات تمكن الرجل من محاكمة عادلة، والمغرب رفضت القبض على السنوسي على أراضيها، لأن الأمر يشكل إحراجا كبيرا لها بالنظر إلى سلوك كل من الجزائر وتونس.
فما السبب الذي جعل موريتانيا تدخل هذه المتاهة، وتستدرج السنوسي وتعطيه الأمان، وتوهمه بأنه ضيف على الشعب الموريتاني؟ ومن ثم تدخل في مفاوضات مع فرنسا وليبيا لتسليمه في صفقة ستكون مهينة لموريتانيا مهما كان شكلها، ومهما كان البلد الذي يستلم السنوسي.
الغدر بالمستجير كبيرة في كل الأعراف والقوانين والشرائع، لا يمكن تبرير سلوك الرئيس الموريتاني بكون السنوسي مطلوب دوليا ومتورط في جرائم ضد الإنسانية، خصوصا وأن العملية برمتها كانت خدمة جليلة لساركوزي وهو في عز حملته الانتخابية.
المشكلة أن الأنظمة العربية كانت تعقد مثل هذه الصفقات المشبوهة وراء البيوت المغلقة، وقد لا يعرف الرأي العام تفاصيلها إلا بعد عشرات السنين، لكن صفقة استدراج السنوسي والقبض عليه، كانت في وضح النهار، وتفاصيلها النتنة أزكمت الأنوف، وضربت آخر ما تبقى من معاني العزة والكرامة والمروءة لدى العرب.