غريب أم عجيب؟
من عجائب الجزائر السبع، أن ظاهرة الاحتجاج لم تعد مقتصرة على “زوالية” أو غاضبين من سوء توزيع السكن وقفة رمضان، ومحتجين على البيروقراطية و”الحڤرة”، ولكن عجب العجاب عندما يخرج “الشناوة” في احتجاج عبر شوارع خنشلة، للمطالبة بحقوقهم المهنية والاجتماعية!
تصوّروا لو أن جزائريين خرجوا في مسيرة عبر شوارع وأزقة الصين أو أمريكا أو بريطانيا أو كندا أو الإمارات؟ أم إن مثل هذا السيناريو مستبعد بُعد السماء على الأرض، لأن “الحقوق” هناك ليست مهضومة، وكلّ فرد يأخذ حقـّه “ثالث ومثلـّث“؟
قد يكون المشكل في الحقوق، لكن أليس هناك إشكالية في الواجبات أيضا؟ ألم يتورّط عمال ومستثمرون أجانب في المحظور، وشاعت أنباء عن تورطهم وتواطئهم في رشوة أم عمولة أم “تشيبا“؟
صورة أخرى غريبة وقد لا تكون مألوفة، فقد سقط جرحى في مواجهات بين طلبة وغير طلبة في جامعة بباتنة، والسبب “وجبة“، فمن يتحمّل المسؤولية هنا؟ الغاضبون الذين احتجوا ضد سياسة “التجويع“؟ أم الإدارة التي أنهكت إطارات المستقبل بـ “المقارون” والعدس الممزوج بالحجر؟
مشهد آخر حدث من قبل، لكنه غير مستساغ، أساتذة جامعيون يقطعون الطريق في وهران استنكارا للتماطل في تسليم سكناتهم، فأليس هناك حلول عاجلة وعادلة لمثل هذه الألغام التي تفخـّخ الجامعة، وتجعل من مكوّن الأجيال والكفاءات غريقا في فنجان مشاكل اجتماعية تحلّ بجرّة قلم؟
المقصود، هاهنا ليس الوقوف ضد مثل هذا النوع من الاحتجاجات، أو غيرها، لكن المُراد هو القول بأنه من المفروض أن هناك شرائح ونماذج من المجتمع، ليست ممنوعة من الاحتجاج أو الغضب، ولكنها “محظوظة” أو لا يجب أن تمسّها المشاكل التي تعرقل عملها، ومهمتها الموجهة أساسا لفائدة فئات واسعة من المجتمع الجزائري!
هذا لا يعني أنه ليس للقاضي والإطار والمسؤول والأستاذ الجامعي والطالب والمستثمر والميلياردير مشاكل وانشغالات، لكن عندما يحتج هؤلاء، فهذا مؤشر على خلل عويص ينبغي تقويمه وإصلاحه، قبل أن يتعاظم ويؤثر على المحيط، وقد يتحوّل إلى “قنبلة” موقوتة!
من الطبيعي أن “تبور” نتائج التحصيل العلمي ويُصيب التربية العـُقم، فلا تعطينا سوى التغبية، طالما أن للمكلفين بمهمة الدراسة والتدريس يُواجهون مصائب لا يعلمها إلاّ الله، ومن البديهي كذلك، أن يمرض كوارد بالهجرة والغربة، طالما لم يتمّ التكفـّل بهم في وظيفتهم ببلادهم، ويصبح “عادي في بلادي” حين يخرج “الشناوة” إلى الشارع طالما “علّمهم” بعض الجزائريين –سامحهم الله– فنون “الهفّ” و“الماكلة تحت الطابلة“!