الرأي

غزة، القاهرة وماذا بعد؟

سهيل الخالدي
  • 3755
  • 1

كيف يدير السياسيون الفلسطينيون، سلطة وحكومة مقاله “وفصائل مقاومة” حرب “هم” بعد معركة غزة؟

سؤال لا تتضح أبعاده العميقة إلا من خلال إجابته السريعة، ذلك أن بعض هؤلاء السياسيين دخلوا بسرعة بوابة أسوأ إدارة لهذه الحرب بعد المعركة، فقد سمعنا بعضهم يسارع إلى طلب الإعانات المادية والإغاثات الإنسانية من الدول العربية وموضوعة الإعانات والإغاثات تثلج صدر الحكام العرب دون استثناء، لأنها تجعلهم في الموقع المريح، فبضعة ملايين من الدولارات، خاصة إذا ما طلبها الفلسطينيون بالذات، تكفيهم شر القتال، وتمكنهم بحملة إعلامية من التبجح أمام شعوبهم بأنهم يساندون فلسطين وأهل فلسطين، كما تمكنهم من الإساءة للسياسيين الفلسطينين، بالقول إنهم يبتزون العرب ويستغلون هذه الإعانات والإغاثات التي لا يصل إلا القليل منها لمستحقيها، والسياسيون الفلسطينيون، منذ أيام منظمة التحرير في لبنان اجتمعت فيهم كل مساوىء الحكام العرب ومفاسدهم، ولذلك فهم ليسوا فوق النقد، بل لعل الذي يقرأ بعض الكتابات الفلسطينية السياسية والروائية خاصة رواية الصديق رشاد أبو شاور “البكاء على صدر الحبيب”، يعرف كم كانت هذه المفاسد عميقة وواسعة، ولازالت كذلك، وهي مدخل للكثيرين من العرب وغير العرب، حكاما وغير حكام، لا لتبرير تقصيرهم تجاه القضية المركزية، بل لتبرير خياناتهم للقضية المركزية وللقضايا الفرعية، بما فيها قضاياهم القطرية أمام شعوبهم، لذلكأعتقد أنه حين سارع بعض السياسيين الفلسطينيين بطلب هذه الإعانات عبر الإعلام، فإنهم مدوا خشبة الخلاص للحكام العرب.

وأعتقد أن ذلك كان ولايزال أسلوبا سيئا، ففلسطين هي في رقبة كل حاكم عربي وكل مواطن عربي، ولا يحتاج الأمر إلى مناشدة واستخدام سياسي إعلامي، بل بحاجة إلى تنظيم جوهري.

الشيء السيئ الآخر الذي فعله الفلسطينيون في إدارتهم لهذه الحرب بعد المعركة جاء خلال المعركة نفسها، فقد اعتبروا التوقيت العسكري مربوطا بالتوقيت السياسي، فقال أهل السلطة منهم على لسان صائب عريقات أن إسرائيل قامت بغزوتها هذه، لتعطيل جهود الديبلوماسية الفلسطينية والعربية للحصول على صفة دولة غير عضو في الأمم المتحدة، أما أهل الحكومة المؤقتة فلم يجدوا أفضل من القول إن إسرائيل قامت بهذه الغزوة للانتقام من المجاهد أحمد الجعبري؟

وهذه الأقوال في ـ رأيي ـ هي نتيجة الخلط بين السبب والمناسبة في ذهن هذا النوع من السياسيين الذين يعتقدون أن الإعلام هو العنصر الأقوى في العمل السياسي.. فهل يستطيع هؤلاء الساسة إخبارنا متى كانت اسرائيل بحاجة إلى سبب أو مناسبة لشن حرب أو فتح معركة مع الفلسطينيين أو العرب عموما؟

إن هذا الخلط بين السبب والمناسبة تحت ستار التوقيت، إنما يؤشر على تخلف في العقل السياسي، هو تخلف يطال أولئك المحللين السياسيين الذين قالوا إن نتن ياهو قام بهذه المعركة لأسباب انتخابية، فهل يعتقد هؤلاء أن إسرائيل تدار بالتنقيط ويوما بيوم كمقاول البناء الذي يدفع أجرة عماله في آخر النهار؟

وأرى أن الاعتقاد بفكرة “التنقيط” هذه يعود إلى أمرين:

1- لازالت النظرة القاصرة بأن إسرائيل دويلة على شاكلة الدويلات العربية تعشش في أذهان السياسيين والمحللين، ولم يكتشفوا بعد أن إسرائيل هي إمبراطورية صهيونية استعمارية، تطمح بالسيطرة على كل الإمبراطوريات، حتى تلك التي أوجدتها وتدار على هذه الأرضية ونحو هذا الأفق.

2- اعتقادهم بأن الإنسان العربي مقتنع بوهم أن الانتخابات في أمريكا وفي أوروبا، وبالتالي الرئيس المنتخب هو الذي يقرر السياسات الاستراتيجية لتلك الدول الكبرى.

والحقيقة التي يجب أن تنطلق منها إدارة الحرب بعد معركة غزة، هي أن نتن ياهو يحكم ولا يتحكم في إسرائيل، مثله في ذلك مثل أوباما في أمريكا، إنما الذي يتحكم في إسرائيل ويقرر سياساتها الاستراتيجية، هو الحركة الصهيونية التي تدير الوقائع اليومية لإمبراطوريتها.

هنا قد يسألني القارئ: هل معنى كلامك أن معركة غزة كانت قررا استراتيجيا صهيونيا وليس قرارا إسرائيليا محليا؟

أقول نعم، لأن غزة خاصة بعد 1999 لم تعد تشكل خطرا جديا عسكريا على إسرائيل، كما لم تعد السلطة في رام الله تشكل خطرا سياسيا أو عسكريا على إسرائيل، فالكل مادام يطلب رضا الدول الكبرى التي هي – حتى الآن – تحت السيطرة المالية وغير المالية للامبراطورية الصهيونية، أما الذي دعا ويدعو الصهيونية لاتخاذ مثل هذا القرار الاستراتيجي، هو الذي حدث في القاهرة، فقد وصل الإخوان المسلمون إلى الحكم في مصر، وهذا بحد ذاته لم يقلق لا إسرائيل ولا أمريكا… لكن الذي أقلقها أن إجراءات مرسي في سيناء أعطت مؤشرا على أن مرسي يتجه إلى “التحكم” في مصر.. وهذا ما لا تنفع فيه تطمينات ولا ضمانات أمريكا أو أية دولة كبرى.. ففي ذات يوم قال بن غوريون إنه في الجنون الثقة بالدول الكبرى!! وإسرائيل كانت تعيش أيامها الذهبية حين كان حسني مبارك يحكم مصر، بينما الذي يتحكم فيها هم رجال المال المرتبطون، وضباط الجيش الذين تدرسوا في المؤسسات العسكرية الأمريكية، وصادروا هم بدورهم رجال تجارة وأموال.. وكل هذا بدأت مؤشرات انهياره في إجراءات مرسي في سيناء، سواء لجهة الأمن أو لجهة أنبوب الغاز، إذن لابد من “تأديب” مرسي ومنعه من التحكم في مصر، وعليه أن يتراجع هو وجماعة الإخوان المسلمين والاكتفاء بالجلوس على كرسي الحكم.

وهذا “التأديب، أو لنقُل الحرب الوقائية أو المسبقة، هو بالضبط ما فعله الصهيونية عام 1967، فحين رأت هذه الحركة أن جمال عبد الناصر يكثف نشاطاته في إفريقيا، قررت عام 1965 تأديبه وتحكميه، فقامت عام 1967 عبر القيام بحشد بالغ السرية على الحدود السورية، ولأن مقولات عبد الناصر الشعبوية، كانت تقود في بعض الأحيان سياساته ومواقفه الاستراتيجية.

والمظهر العام حتى الآن للسيد محمد مرسي لا يبدو بعيدا عن شعبوية عبد الناصر، رغم ما بينهما من تباين ايديولوجي.

ولكن مرسي لم ينزلق كما انزلق عبد الناصر في عام النكسة، ولا أحد يعرف لماذا، هل بسبب الاستفادة من الدروس، أم بسبب موقف الجيش!! وهنا وجدنا التكتيك الصهيوني ينتقل بسرعة من التأديب إلى الاستيعاب، فطلب الصهاينة من مصر مباشرة وعبر أمريكا ودول كبرى أخرى أن تقوم برعاية وقف اطلاق النار، بل وضمانته، ومعنى أن تضمن مصر هذا الاتفاق هو أن تتحكم في قطاع غزة.

ويبدو لي أن الرئيس محمد مرسي فهم ذلك وبالسرعة اللازمة، فرأيناه يرسل رسالة بأسرع مما توقع الجميع، رسالة تفيد بأنه يريد أن يحكم ويتحكم بمصر، وليس بقطاع غزة، فيقوم بشن حملة لتنظيف القضاء، مقرونة بقرار إعادة محاكمة رجالات النظام السابق الذين كانوا يرتبطون بالحركة الصهيونية، وشكلوا ذراعا من أذرعها في العالم العربي، إذا صح هذا التحليل أو كان قريبا من الصحة، فإن إدارة الحرب بعد معركة غزة توجب السؤال: من هو صاحب القرار داخل الحركة الصهيونية؟

وبالتأكيد أن الجواب هو أصحاب رأس المال من اليهود ومعهم جنرالات الجيش الاسرائيلي، لأن هذا الجيش الذي يتحول من هؤلاء الرأسماليين هو المنتج الرئيسي وربما الوحيد للسياسة في إسرائيل.

ويبدو أن ما بين الطرفين الرأسمالي والعسكري في الحركة الصهيونية، خلافا حول ما يجري في القاهرة، بدليل أن الجيش يدعم باراك حينا، وموفاز حينا آخر، وكلاهما من جنرالاته، ويكاد نتن ياهو لا يجد في الجيش من يدعمه.

وماذا يعني ذلك لإدارة الحرب بعد معركة غزة؟ إنه يعني أن على الذين يديرون هذه الحرب النظر إليها كحرب واسعة، قد تشمل أية منطقة يتحرك فيها الشعب العربي.. وأن عليهم تغيير نظرتهم “التهليلية” لما يسمي “الربيع العربي”، وأن عليهم أن يعرفوا جيدا الفرق بين الذي يحكم والذي يتحكم، وسواء كان هؤلاء الذين يديرون هذه الحرب في غزة أو في القاهرة، لأن أمن القاهرة هو في غزة وما بعدها، وأمن غزة هو في القاهرة وما وراءها.. وهذا لا يمكن ضمانه إلا إذا كانت على مكاتب هؤلاء الساسة كرة أرضية، عليها ساعة توقيت عالمي، وتظهر في تفاصيلها خريطة الاقتصاد في القارات الخمس، فالامبراطورية الصهيونية ليست امبراطورية كسرى أو قيصر.. ولا إمبراطورية فرعون، إنها أخطر امبراطورية في التاريخ، لا تمنعه القراءات الخاطئة ولا السياسات الشعبوية، إنها امبراطورية المصلحة التي لا تهزها سوى المصلحة نفسها.

مقالات ذات صلة